آخر تحديث: 18 / 6 / 2026م - 8:33 م

الصيف ليس إجازة من الإهتمام بالصحة

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

في الصيف، لا تتغير درجات الحرارة وحدها، بل يتغير إيقاع الحياة كله. تُغلق المدارس أبوابها، وتبدأ العائلات في ترتيب السفر والزيارات والسهر، وكأن الإجازة إعلان صغير للخروج من النظام. وهذا مفهوم؛ فالناس تحتاج أن تتنفس قليلًا من ضغط العام. لكن الجسد لا يفهم الإجازات بالطريقة نفسها، ولا يعلّق احتياجاته على باب المدرسة أو المطار أو الاستراحة.

في بيئتنا، الصيف ليس تفصيلًا عابرًا، فنحن لا نتحدث عن طقس حار فقط، بل عن ظرف صحي واجتماعي ومهني يحتاج إلى وعي وتنظيم. فهناك من يستطيع أن يؤجل خروجه، وهناك من لا يملك هذا الترف؛ عامل يقف في الشمس، وموظف أمن على بوابة، وسائق ينتظر، وعامل توصيل يدور بين الشوارع، ومريض يراجع موعدًا لا يمكن تأجيله.

رأيت في أكثر من جهة موظفي أمن يجلسون في الشمس بلا مظلة كافية، وبلا ماء قريب، وكأن احتمال الحر جزء من الوصف الوظيفي. والحقيقة أن الحر ليس اختبار صبر، ولا مقياس التزام، ولا يجوز أن يتحول إلى تحدٍّ لمن يعمل في الخارج. في يوم تتجاوز فيه الحرارة الأربعين بكثير، يصبح توفير الظل والماء وفترات الراحة أبسط صور الاحترام، قبل أن يكون إجراءً تنظيميًا أو اشتراطًا مهنيًا.

الصيف يكشف أخلاق المكان أيضًا. كيف نتعامل مع من يخدموننا؟ هل نطلب من عامل التوصيل أن يصعد وينتظر في الظهيرة بلا تقدير؟ هل نترك السائق أو الحارس في الشمس ونمضي؟ هل نعامل العامل وكأن جسده أقل تأثرًا بالحرارة من أجسادنا؟ الجو حار على الجميع، والرحمة هنا ليست رفاهية، بل وعي إنساني بسيط: أعطه ماءً، واسمح له بالجلوس في الظل، ولا تطلب خدمة غير ضرورية في ذروة الحر، ولا تجعل السرعة أهم من سلامة إنسان.

طبيًا، الخطر لا يبدأ دائمًا بصورة مرعبة. قد يبدأ بصداع، أو دوخة، أو خمول، أو تشنج عضلي، أو غثيان، أو قلة تبول. وقد يظن الإنسان أن الأمر مجرد «تعب صيف»، بينما يكون جسده يرسل إشارات إنذار مبكرة. أما ضربة الشمس فهي حالة إسعافية، قد ترتفع فيها حرارة الجسم إلى 40 درجة مئوية أو أكثر، وقد يصاحبها اضطراب في الوعي أو فقدان اتزان أو هلوسة. هنا لا ينفع الانتظار ولا المجاملة؛ المطلوب نقل المصاب فورًا إلى مكان أبرد، وتبريد جسمه، وطلب الإسعاف.

الأطفال وكبار السن ومرضى السكري والضغط والقلب والربو أكثر حساسية لهذا الموسم. فالطفل قد يندفع للعب ولا يشعر بالخطر، وكبير السن قد لا يعبّر عن عطشه بوضوح، ومريض الأمراض المزمنة قد ينسى دواءه مع السفر والسهر. لذلك لا تحتاج الوقاية إلى خطاب معقد: ماء قريب، وملابس خفيفة، وتقليل الخروج وقت الظهيرة، ووجبات أخف، وعدم ترك طفل في سيارة، وحمل الأدوية في السفر، والانتباه لأي تغير غير معتاد في النشاط أو الوعي.

لسنا بحاجة إلى أن نخاف من الصيف، لكننا بحاجة إلى أن نحترمه. نحترم حرارته، ونحترم أجسادنا، ونحترم الذين تضطرهم ظروفهم إلى العمل تحت شمسه. فالصحة لا تعني أن نمنع الفرح أو السفر أو الزيارات، بل أن نمارسها بقدر من الوعي. والإجازة الواقعية ليست أن نخرج من روتين الصحة، بل أن نعود منها بخفة وسلام، لا بموعد طوارئ كان يمكن تجنبه.

الصيف جميل حين نعرف حدوده، وقاسٍ حين نستهين به. وبين الجمال والقسوة، هناك تصرفات صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا: كوب ماء، وظل، ووقت راحة، وكلمة مراعاة، وتأجيل طلب لا يستحق أن يُدفع ثمنه من صحة إنسان.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي