مرض اللوكيشن
فيما سبق كنت أحفظ أرقام الهواتف الثابتة لعشرات الأقرباء والأصدقاء، ومع بدايات ظهور الجوالات حفظت كذلك أرقام كثير من الناس عن ظهر قلب. وكنت أخرج من مدينتي إلى المدن المجاورة اعتماداً على الوصف. كل ذلك قبل أن أصاب بمرض اللوكيشن وGoogle Maps. فقد أصبحت لا أطيق الاستماع إلى من يحاول وصف موقع يبعد مئات الأمتار عن منزلي، فأبادره قائلاً: أرسل لي اللوكيشن. أما أرقام الهواتف فلم يعد في ذاكرتي منها إلا ما حفظته قبل عشرات السنين. لكن هل يعني ذلك أن التكنولوجيا هي سبب تبلد العقول؟ ليس تماماً. فالمشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي نستخدمها بها. هناك فرق بين أن أفهم الحساب ثم أستخدم الآلة الحاسبة، وبين أن أستخدمها بديلاً عن الفهم. وهناك فرق بين أن أستعين بـ Google Maps للوصول إلى وجهة ما، وبين أن أجعله بديلاً عن فهم الطريق وحفظ معالمه. ثمة فرق بين أن تكون التكنولوجيا أداة تعين العقل، وبين أن تتحول إلى بديل عنه.
أعتقد أن مكمن الخطورة هو أن العقل لا يضعف دفعة واحدة، وإنما يتآكل بالتدريج كلما توقف عن ممارسة وظائفه. لذلك فالقضية لا تتعلق برفض التكنولوجيا، بل بالحفاظ على كفاءة العقل أثناء استخدامها، بحيث تبقى امتداداً له لا بديلاً عنه. وكما يحتاج البدن إلى الرياضة ليحافظ على لياقته، فإن العقل يحتاج إلى رياضة من نوع آخر: التفكير، والحساب، والحفظ، والتحليل. ولعلنا نشاهد على الكورنيش وفي المماشي العامة في مختلف المدن أعداداً كبيرة من الناس يمارسون رياضة المشي حرصاً على صحة أجسادهم، لكننا نحتاج بموازاة ذلك إلى تمارين يومية لعقولنا؛ أن نحسب أحياناً دون آلة حاسبة، وأن نحاول تذكر الطرق دون اعتماد كامل على Google Maps, وأن نبذل جهداً أكبر في الفهم والاستنتاج. فهذه التمارين الذهنية البسيطة هي التي تحفظ للعقل حيويته، وتمنع آلة التفكير التي أودعها الله في الإنسان من الصدأ والتآكل مع مرور الزمن.
حاولت البحث عن آخر مستجدات العقاقير التي من شأنها أن تقي العقل من آفة النسيان والخرف الذي يسير الإنسان باتجاهه كلما تقدم به العمر، فلم أجد ما يستحق الذكر، ولكنني وجدت قاسماً مشتركاً يربط كثيراً ممن تقدم بهم العمر وما زالت ذاكرتهم متقدة: إنه العلم والتدريس. فانتهيت إلى قناعة مختلفة: أفضل ما يحافظ على العقل هو استخدامه. فالعقل يزداد قوة كلما فكر وشرح وحلل واستنتج. وهذا ما يفسر بقاء كثير من العلماء والمفكرين محتفظين بقدراتهم الذهنية إلى أعمار متقدمة؛ إذ لم يتوقفوا عن ممارسة التفكير. لذلك لا يحتاج الإنسان دائماً إلى برامج معقدة لتدريب عقله، بل يكفي أحياناً أن يشرح فكرة قرأها وكأنه يلقي درساً، أو أن يحل بعض المسائل الحسابية، أو أن يستحضر كلمات المرور من ذاكرته بدلاً من الاعتماد الدائم على بصمة الوجه أو الحفظ التلقائي. فهذه الممارسات البسيطة ليست سوى تمارين يومية للعقل، تماماً كما أن المشي تمارين يومية للجسد. فالعقل، شأنه شأن العضلة، لا يشيخ بسبب كثرة العمل، وإنما يشيخ حين يتوقف عن العمل.













