آخر تحديث: 11 / 6 / 2026م - 8:30 م

حين يضطرب الداخل

ياسين آل خليل

في أيامنا هذه، أصبح النوم أحد أكثر النعم التي يفتقدها الناس رغم بساطتها. فمع تسارع وتيرة الحياة وتزايد الضغوط اليومية، تحولت الراحة من أمر فطري يمارسه الإنسان دون عناء إلى مطلب يسعى إليه بشتى الوسائل. ولم يعد الأرق مشكلة فردية تخص قلة من الناس، بل ظاهرة عالمية دفعت الحكومات والشركات ومراكز الأبحاث إلى التفتيش عن حلول لوضع حد لهذه الأزمة المتزايدة التعقيد.

ربما لا تكمن أزمة الإنسان المعاصر في قلة وسائل الراحة بقدر ما تكمن في صعوبة الوصول إلى السكينة. فقد استطاع أن يحيط نفسه بكثير من أسباب الرفاهية، لكنه لم يستطع أن يمنع القلق من التسلل إلى تفاصيل حياته. وبين الانشغال بالمستقبل، والسعي المتواصل لتحقيق المزيد من الإنجازات، وملاحقة متطلبات الحياة، أصبح الهدوء الداخلي مطلبًا لا يقل أهمية عن الراحة الجسدية نفسها.

ولا شك أن كثيرًا من الوسائل الحديثة تقدم حلولاً حقيقية، وتساعد بعض الفئات من الناس على تجاوز مشكلاتهم الصحية أو السلوكية التي تؤثر في نومهم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه.. هل فقد الإنسان قدرته على النوم فعلًا، أم فقد شيئًا آخر كان يقوده للنوم الطبيعي، دون أن يلجأ إلى كل هذه الوسائل؟

الفرق كبير بين أن ينام الجسد وأن تستريح النفس..! قد يستلقي الإنسان ساعات طويلة فوق فراش مريح، بينما يبقى عقله مستيقظًا يراجع ما حدث بالأمس وما قد يحدث غدًا. وقد تتوفر له كل أسباب الرفاهية المادية، لكنه يظل عاجزًا عن الوصول إلى تلك الطمأنينة والسكون الذي يجعل النوم راحة حقيقية لا مجرد استراحة مؤقتة من عناء اليقظة.

وعندما يغيب السكون الداخلي، يتحول الليل إلى مساحة مزدحمة بالأفكار والهواجس. تنطفئ الأنوار، لكن القلق يبقى مستيقظًا. تتزاحم المخاوف المتعلقة بالرزق والأولاد والمستقبل والصحة والعلاقات والالتزامات، فيجد الإنسان نفسه يحمل إلى فراشه ما عجز عن حسمه خلال نهاره. عندها لا تكون المشكلة في الوسادة ولا في ألوان جدران الغرفة ولا في جودة مكيف الهواء أو نوعية قماش الستائر، بل في ذلك الضجيج الخفي الذي يستقر في أعماق النفس ويحرمها من الطمأنينة.

هنا تبرز قيمة العبادات في حياة الإنسان من زاوية قد يغفل عنها كثيرون. فالصلاة ليست مجرد حركات تؤدى في أوقات وأماكن محددة، بل محطات متكررة تعيد للقلب توازنه. والدعاء ليس كلمات تُردد فحسب، بل مساحة يودّع فيها الإنسان همومه بين يدي خالقه. أما تلاوة القرآن والتأمل في آياته، فتمثل فرصة للخروج من دوامة الانشغال المستمر إلى رحابة المعنى واليقين. وكلما ازداد ارتباط الإنسان بربه، خَفّت وطأة القلق على قلبه، واقترب من السكينة وراحة البال التي يبحث عنها.

لقد وعد الله عباده بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. حين يستقر هذا المعنى في النفس، تتغير نظرة الإنسان إلى الدنيا وما فيها. فهو يدرك أن هذه الحياة، على ما فيها من متاع وإنجازات ومظاهر رفاهية، ليست إلا مرحلة عابرة من رحلة أطول وأعظم. ومهما بلغت الحضارة من التقدم، ومهما أحاط الإنسان نفسه بأسباب الراحة، تبقى كل تلك المنجزات محدودة بحدود الدنيا، بينما تمتد وعود الخالق إلى آفاق لا تدركها العقول ولا تتسع لها المخيلة البشرية.

من هنا يستمد المؤمن جانبًا من سكينته. فهو لا يربط راحته بما يملك اليوم أو بما قد يفقده غدًا، بل بما يرجوه عند ربه من فضل ورضوان. ولذلك فإن الطمأنينة التي تسكن قلبه ليست ثمرة ظروف مثالية بقدر ما هي ثمرة يقين عميق بأن ما عند الله خير وأبقى. وربما لهذا السبب نجح العالم في تطوير كل ما يحيط بالوسادة، لكنه لم يجد بعد بديلًا عن الطمأنينة التي تسكن القلب. فالعالم يبيع النوم بأشكال لا حصر لها، أما السكينة الحقيقية فلا تباع ولا تشترى. ولعل ما يبحث عنه كثير من الناس في آخر النهار ليس النوم نفسه، بل ذلك السلام الداخلي الذي إذا استقر في القلب، أرخى الإنسان همومه جانبًا، وأسلم نفسه للراحة راضيًا مطمئنًا، كالطفل الذي يغفو في حضن الأمان.