”حي بن يقظان“.. بدايات الخيال العلمي العربي
كُتِبت تلك القصة حين حاول ابن طفيل أن يتخيل كيف ينمو الوعي البشري لو تم عزله تمامًا عن التلقين والتعليم التقليدي، وتأثير المجتمع والدولة والأسرة، بل وحتى اللغة، وكيف يمكن للعقل البشري أن يعمل بمعزل عن هذا كله، معتمدًا على قدراته الذاتية من فحص وملاحظة وتجريب.
وما سيحدث له لو وجد نفسه وحيدًا في مواجهة الطبيعة، ملاحظًا ومتفكرًا فيما يحدث له وحوله.
حيث لجأ مثلًا إلى المنهج التجريبي حين قام حي بتشريح الظبية «أمه» ليعرف علة وفاتها، لعله، إن أزال تلك العلة، أن تعود إلى ما كانت عليه، وذلك رغم تخوفه من أن يكون سعيه عليها. حتى إذا يئس دفنها في الأرض أسوة بفعل الغراب بأخيه.
وحيث رأى نفسه عاريًا من الريش والقرون فاتخذ العصي سلاحًا، واتخذ من جلد الصقر وريشه كساءً ستره وأدفأه وجعل له هيبة وسط ضواري الغاب.
ثم إنه تصادف وأن رأى النار، ورأى ما لها من النور الثاقب والفعل الغالب، وأخذ بعد ذلك يجرب هذه النار ويرى فعلها بالأشياء، حتى جرب فيها بعض أصناف الحيوانات البحرية، فطابت له رائحتها ولذ له أكلها، فزاد تعلقه بها لما رأى من فضلها أنها تمنحه الدفء والنور وتطهو له غذاءه، وشكَّ أنَّها من جنس ما يسبب الحياة للكائنات، حيث رأى الدفء من صفات الأحياء وأن جثثها تبرد حين تموت.
ولكي يتحقق من تلك النظرية قام بتشريح مختلف الحيوانات والنظر في أعضائها الداخلية، واكتسى من جلود تلك الحيوانات التي كان يشرِّحها.
ثم تعلم استئناس الحيوانات لينتفع من بيضها أو ليركبها.
وقد خَلُصَ من فحصه وتأمله إلى أن الروح التي تجعل الحياة في أصنافها المختلفة هي بمنزلة ماء واحد يفرق على أوانٍ كثيرة، بعضها أبرد من بعض، وبالمثل كان فحصه لأنواع النبات وأنها كذلك تتغذى وتنمو.
كما تأمل نجوم السماء وأفلاكها وحركة الشمس والقمر وكيف يتجمد الماء أو يتبخر.
علم نفسه الاغتسال والنظافة، وكان يشعر بالرضا حين يساعد حيوانًا في ضيقة.
وفي ذات يوم، وصل إلى الجزيرة رجل أراد اتخاذها مكانًا للتعبد والعزلة، فرآه حي، وكان أول من رأى من المخلوقات مما يشبهه في الخِلقة، فأنس به، وتعلم منه اللغة والكلام، قبل أن يكتشفا أن في أفكارهما الكثير من التشابه.
تمثل قصة حياة ”حي بن يقظان“ مراحل تطور الحضارة البشرية، من صنع الأدوات من المواد المتاحة وكذلك الملابس، ثم تطويع النار واستئناس الحيوانات.
لقد قدم ابن طفيل ذلك النوع من أدب الخيال العلمي الرصين القائم على فرضية «ماذا سيحدث لو أن..؟»، وفي حالته ركز على عمل العقل بمعزل عن المؤثرات الثقافية والاجتماعية، وبناء المعرفة من الصفر، والتأمل الفلسفي في الوجود والحياة، وكيف تعمل الفطرة البشرية بمعزل عن ضجيج التيارات الفكرية المختلفة.
ماذا لو نما الإنسان من دون موروث ثقافي؟ ماذا لو نشأ وتكيف بلا مجتمع أصلًا؟
عن هذا السؤال حاول أن يجيب الكاتب.













