آخر تحديث: 11 / 6 / 2026م - 8:30 م

حسن علي البطران والقصة القصيرة جداً: اقتفاء بصمة الوميض في النصّ

فاروق غانم خداج *

تمهيد: في شعرية الاختزال

لا تنشأ القصة القصيرة جداً من فراغ جمالي، بل تنبثق من وعي نقدي بحدود اللغة وطاقتها في آنٍ معاً. فهذا الجنس الأدبي يضع الكاتب أمام مسؤولية مضاعفة: أن يحكي وأن يصمت في الوقت ذاته، وأن يقول ما يكفي لإشعال تأويل لا ينطفئ. وقد وصفه الناقد المغربي الدكتور جميل حمداوي بأنه جنس ”يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث“.

في هذا السياق يُنظر إلى القاص السعودي حسن علي البطران بوصفه نموذجاً عربياً ناضجاً في هذه الكتابة؛ لا لأنه يكتب قصصاً قصيرة جداً فحسب، بل لأنه حوّل هذا الشكل الموجز إلى موقف فلسفي من اللغة والوجود والمعنى.

السياق: من الأحساء إلى المشهد العربي

وُلد البطران في الأحساء عام 1973، وحصل على بكالوريوس في التربية — قسم الأحياء من جامعة الملك عبد العزيز. وهذا الانتماء إلى العلوم التجريبية ليس تفصيلاً عابراً؛ إذ يمكن للقارئ المتأمل أن يلمس في نصوصه شيئاً من دقة المختبر: الملاحظة الصارمة، والاقتصاد في الأدوات، والانتباه إلى ما يحدث حين تتفاعل العناصر.

تجاوزت مؤلفاته تسعة إصدارات في هذا الجنس، من أبرزها: نزف من تحت الرمال، وبعد منتصف الليل، وناهدات ديسمبر، ودانة، وسماوات لا تنبت أشجاراً. وقد كُرِّم في أكثر من دولة عربية، وتناولت بعض مجموعاته رسائل ماجستير وأطروحات دكتوراه، مما يُعدّ مؤشراً على حضوره الراسخ في الدوائر الأكاديمية والنقدية. ويُشار كذلك إلى أن الدكتور جميل حمداوي أصدر عام 2009 دراسة نقدية متخصصة بعنوان خصائص القصة القصيرة جداً عند الكاتب السعودي حسن علي البطران «دار السمطي للنشر والإعلام، القاهرة»، وهي من الدراسات الأولى التي اتخذت من نصوص البطران نموذجاً نقدياً في سياق الأدب السعودي.

التحليل النصي: الاقتصاد اللغوي تحت المجهر

أولاً: آلية الإدهاش

تعتمد قصص البطران على ما يمكن تسميته ”انزياح الخاتمة“؛ أي أن النص يسير في اتجاه متوقع ثم ينقلب في آخر جملة لينتج دهشة لا تُحسم. هذه الآلية ليست حيلة بلاغية بقدر ما هي رؤية: العالم لا يسير كما نتوقع، واللغة مرآة لذلك الاضطراب.

خذ نصه ”فيتامين“ المنشور في صحيفة الراي الكويتية «5 يوليو 2011»:

«يقود سيارته الفارهة الآخر موديل بسرعة جنونية... أوقفه رجل المرور... حرر له مخالفة. ابتسم بميوعة أنثوية وقال له: هل من أخرى؟»

النص يسير ظاهرياً في مسار مألوف: سائق متهور، مخالفة مرورية. لكن الخاتمة تنقلب بجملة واحدة لتكشف أن المخالفة لم تكن عقوبة في نظر صاحبها، بل استعراضاً واستمتاعاً. ”الميوعة الأنثوية“ و”هل من أخرى؟“ يحوّلان المشهد من نقد للتهور المروري إلى تعليق ساخر على الهوية والسلطة والاستعراض الاجتماعي. النص لا يحكم، بل يُعرّي ويتركك أمام المشهد وحيداً تستخلص ما تشاء.

وهذا بالضبط ما يصفه حمداوي بـ ”بلاغة الانزياح والخرق الجمالي“ — حيث تتحول اللحظة العادية إلى صدمة دلالية في جملة أو جملتين.

ثانياً: المكان بوصفه رمزاً لا خلفية

لا يرد المكان في نصوص البطران بوصفه ديكوراً سردياً، بل بوصفه مفتاحاً دلالياً. وقد لاحظت الناقدة نادية الكيلاني في قراءتها لمجموعة نزف من تحت الرمال «موقع جهات الإخبارية، ديسمبر 2020» أن قصصه ”تجعل من المجتمع وقضاياه هماً وهدفاً“، وأن ثمة ”حزناً عاماً يسيطر على المجموعة“ يتجلى في تفاصيل مكانية بسيطة كالشاطئ والمزرعة والحيطان الأربعة.

الأحساء بموروثها الشعبي والبيئة الخليجية الصامتة ليست في نصوصه مجرد موقع جغرافي، بل نسيج ذاكرة: فيها الموروث القبلي، والهدوء المكاني، والتوتر بين الثابت والمتحوّل. هذا التوتر هو الذي يغذّي نصوصه بطاقة التأمل ويمنحها خصوصيتها في مشهد عربي مفتوح.

ثالثاً: اللغة بوصفها موقفاً

يكتب البطران بلغة تصف دون أن تحكم، وتُشير دون أن تُفسّر. الراوي يتراجع لكي يتقدم القارئ. وقد وصفت الكيلاني هذه السمة بدقة حين أشارت إلى أن قصصه تحتمل أن ”يفهم كل شخص على هواه“، وهو ما يراه بعض النقاد ثراءً، فيما يراه آخرون تحدياً أمام وصول الرسالة. هذا التوتر بين الانفتاح الدلالي والقصد التواصلي هو في صميم الإشكالية الجمالية لهذا الجنس كله.

المحاور الأساسية في تجربته

الإيجاز الخلّاق: نصوص البطران لا تختصر الحكاية، بل تستبدل بها ومضة ذهنية تُحدث ارتدادات فكرية وجمالية تتجاوز كلماتها بمراحل.

التأويل المفتوح: لا يمنح القارئ إجابة، بل يُشركه في إكمال المشهد. وهذا ليس ترفاً جمالياً، بل رهان على ذكاء القارئ وحريته — وهو ما يُميّز الكتابة الناضجة عن الكتابة الاستعراضية.

الارتباط بالمكان والذاكرة: الأحساء وموروثها الشعبي والبيئة الخليجية حاضرة بتلميحات سريعة ذات دلالة رمزية عميقة، تمنح النص هويةً محلية دون أن تُضيّق أفقه الإنساني.

سؤال نقدي مفتوح

غير أن ثمة سؤالاً تطرحه القراءة المتأنية: هل يُفضي التكثيف المتواصل إلى نوع من الرتابة الجمالية على المدى الطويل؟ وهو سؤال طرحته الكيلاني ضمنياً حين دعت البطران في ختام قراءتها إلى كتابة القصة القصيرة المعروفة، قائلةً إن القارئ ”في حاجة لأن يشبع من حكائية القصة وحواريتها“. هذا الصوت النقدي يشير إلى تحدٍّ بنيوي حقيقي: هل تُشكّل مئة ومضة متجاورة عالماً سردياً متماسكاً، أم أن هذا الجنس يظل معزولاً في فردانيته، يُضيء لحظةً لا سيرة؟ وربما كانت الإجابة مخبأة في المجموعات القادمة، حيث يتشكّل المعنى الأعمق لمشروع لم يكتمل بعد.

خاتمة

في زمن تتسارع فيه الصور وتُختزل الحكايات، يُنظر إلى حسن علي البطران بوصفه نموذجاً عربياً يستحق الدراسة لا الاحتفاء وحسب. قيمته لا تكمن في الإدهاش اللحظي فحسب، بل في كونه يُعيد للقصة القصيرة جداً كرامتها الفلسفية: هذا الجنس الذي كثيراً ما اختُزل في ”الطُّرفة الأدبية“ يصبح في يده سؤالاً عن اللغة والوجود والمعنى — وهل ثمة سؤال أجدر بالكتابة من هذا؟

المصادر:

• جميل حمداوي، ”القصة القصيرة جداً جنس أدبي جديد“، مجلة ندوة الإلكترونية.

• جميل حمداوي، خصائص القصة القصيرة جداً عند الكاتب السعودي حسن علي البطران، دار السمطي للنشر والإعلام، القاهرة، 2009.

• حسن علي البطران، ”فيتامين“، صحيفة الراي الكويتية، 5 يوليو 2011.

• نادية الكيلاني، ”القصصية والقصر والرمز أهم ما يميز مجموعة نزف من تحت الرمال“، موقع جهات الإخبارية، 12 ديسمبر 2020.

• السيرة الذاتية للكاتب، موقع التبراة.
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني