آخر تحديث: 11 / 6 / 2026م - 8:30 م

هل البنوك تحب تخدمك أم تحب تحلبك؟

المهندس أمير الصالح *

معظم البنوك التجارية تسعى لجذب زبائن، وتسعى إلى عمل طوقٍ وأسوارٍ مرتفعة حول زبائنها لضمان تدفق كل أنشطتهم المالية عبرها ومن خلال حساباتهم فيها؛ سواء كان الزبون رجل أعمال أو رجل كثير السفر أو موظفًا ذو راتب محدود أو وارث إرثٍ مالي أو موظفًا مدخرًا أو مطورًا أو متقاعدًا أو رائد أعمال أو شخصًا كسبيًا أو … أو … إلخ، فإنه هدف للبنوك.

البنوك وسفرك

مع حلول عتبات إجازات الصيف، تطلق البنوك التجارية المتنافسة حملات ترويجية لبطاقات التأمين الصادرة عن طريقها عبر عروض خصومات أو سحب جوائز أو استرداد نقدي بقيمة 10% - 15% للمشتريات الدولية التي يتم تنفيذها خلال فترة زمنية معينة.

فمثلًا نسمع دعايات ترويجية عن «الاسترداد النقدي» «Cashback» التي تصل إلى 10% أو أكثر أثناء السفر، والتي تبدو جذابة ومغرية؛ ولكن نحتاج لفهم بعض التفاصيل الدقيقة للوقوف على الواقع. التحليل الموضوعي والحسابي لأي حملات تسويقية هو المفتاح لمعرفة ما إذا كان العرض مفيدًا حقًا للزبون أم أنه مجرد حيلة تسويقية.

فمثلًا إعلان بنك ما عن نسبة 10% استرداد نقدي إلى حد أعلى 800 ريال عند إنفاق 4000 - 5000 ريال دوليًا، يحتاج إلى التحليل الكامل لمقاصده وكيفية الاستفادة من ذلك للمستفيد:

أ - تحليل الأهداف:

الهدف الأساسي للبنك التجاري صاحب الإعلان هو تحفيزك لاستخدام بطاقته الائتمانية كخيارك الأول والوحيد أثناء السفر، وذلك لعدة أسباب:

1 - زيادة ولاء العملاء للبنك: كلما ارتبطت ببطاقة معينة صادرة من بنك معين، قل احتمال تحويل معاملاتك إلى بنك منافس آخر.

2 - رسوم المعاملات الدولية: تستفيد شبكات المدفوعات «مثل mada أو Visa» من رسوم بسيطة على كل عملية شراء دولية، وهي إيرادات مهمة للبنك.

3 - منافسة البنك المعلن لشركات الصرافة المتعددة بالداخل والخارج: فالبنوك بالإجمال تريد حجبك من استخدام بطاقات السفر مسبقة الدفع أو الاستعانة بشركات الصرافة المتناثرة، فتحتفظ بأموالك لأطول مدة داخل حساباتها البنكية عبر الدفع بالبطاقة وقتئذ.

ب - تحليل الأرقام للعروض التسويقية:

هل العرض المذكور آنفًا يستحق الالتفات إليه فعلًا؟

حسابيًا وبناءً على المثال الذي ورد أعلاه:

1 - الشرط: إنفاق مبلغ 4000 ريال دوليًا كمشتريات.

• العائد كاسترداد نقدي: 10% استرداد بحد أقصى 800 ريال.

• الحساب: 10% من 4000 = 400 ريال.

الاستنتاج: أنت بحاجة لإنفاق 4000 ريال، وستحصل على 400 ريال فقط. للحصول على الحد الأقصى للاسترداد النقدي «800 ريال»، يجب أن تدفع 8000 ريال دوليًا خلال الفترة الزمنية الواردة بالإعلان.

احسبها صح

للتأكد من أن هذه العروض تصب في صالحك وليس ضدك:

1. احسب صافي الربح: اطرح أي رسوم خدمة أو عمولة على المعاملات الدولية التي قد يفرضها البنك من نسبة الاسترداد النقدي «مثلًا، إذا كانت رسوم البنك 2% والاسترداد 10%، فصافي ربحك 8%».

2. اقرأ التفاصيل بدقة: معظم العروض التسويقية لها استثناءات، مثل عدم احتساب السحب النقدي من ATM أو بعض فئات المتاجر ضمن الحد الأدنى للإنفاق.

3. قارن البدائل: قارن العرض بسعر الصرف للعملات ورسوم بطاقات السفر الأخرى أو حتى شراء العملة مقدمًا من الصرافة أو شركات الصرافة، فقد تكون أرخص في بعض الأحيان لبعض العملات.

البنوك ووديعتك

الوديعة هي مدخرات مالية وفائض نقدي لدى صاحبها أودعها مع بنك تجاري بتوقيت زمني معلوم البداية والنهاية لحفظ المال والحصول على بعض المردود المالي من تلكم العملية. الوديعة مرت بإشكالات فقهية على مدى عقود منصرمة؛ وبدأ عدد كبير من البنوك المحلية في بعض الدول الإسلامية تقديم حلول فقهية ناجعة «مرابحة / تورق / متاجرة»، إلا أنها بكل أشكالها وصيغها هي صعود بطيء جدًا في الرقم، وفقد قوي ومتسارع لقيمة القوة الشرائية للمال المودع كوديعة. فالنقد في معظم بقاع الدنيا ومع معظم العملات، مع تقادم الوقت تضعف قوته الشرائية. هذه المعلومة محسوسة لدى الجميع.

أنصح كل إنسان بالاطلاع على النشرات الدورية للبنك الدولي وIMF في شؤون تضخم الأسعار وصرف العملات ومعدل نسبة الودائع للعملات المحلية والعالمية. فعند إعدادك لجدول يضم نسبة عائد الوديعة إلى نسب التضخم ستبان الصورة بشكل قاطع لك. البنك، أي بنك، يستثمر ودائع زبائنه بأنشطة تجارية وصناعية وعقارية وزراعية وطبية عالية المردود مع ضمانات ورهون عالية الجودة، ويرد للمودع فتاتًا أو أقل من الفتات كأرباح على وديعته.

قال البعض: «إن الوديعة أسوأ أنواع الاستثمار؛ لأنها لا تعطيك نموًا مركبًا، ولا تعطيك تدفقًا ماليًا مجزيًا، ولا تعطيك أدوات حماية كافية من تقلب صرف العملة، ولا تعطيك حرية مالية قوية، ولا تمنحك اقتناص فرص سريع. الوديعة قد تمنحك بعض الأمان ولكن لا تعطيك النمو المنشود، وهذا يعني كمحصلة نهائية خسارة».

الوديعة تحمي أموالك من السرقة، ولكنها لا تحميك من التضخم، والوديعة أمر مضمون بينما الاستثمار خسارة وربح، و… و… إلخ. يطول المقام في استقصاء وجهات النظر بين من هو مع أو ضد الوديعة!!

أودع فائض أموالك أم تستثمر، ما الحل إذًا؟

«رأس المال جبان»، مقولة يرددها كبار التجار والماليون وغيرهم. وفي ذات الوقت نسمع قصصًا محبطة عن شركات مساهمة وشركات خشاش مدرجة في بعض الأسواق، وعن إفلاس شركات بعد إعلانات مزورة عن أرباح وهمية على مدى سنوات، وعن الغش والتدليس في القوائم المالية، وعن سوء وفساد بعض شلل مجالس إدارات شركات طبية وتجارية وصناعية وخدماتية، فهل الاستثمار ما زال جاذبًا في ظل هكذا أخبار أم الوديعة أكثر أمانًا؟!

يبدو أن في أي وقت يُتنبأ فيه بدخول كساد اقتصادي أو مراحل ما قبل الكساد الاقتصادي، تنكشف أقنعة بعض المحتالين في الشركات، فيجب على الشخص الذي كدح وبُلي في تجميع كل دولار أو ريال أو دينار بعرق جبينه أن يكون يقظًا في قراراته المالية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. العقار والذهب والاستثمار المضمون في أسهم الشركات المدرجة رسميًا وذات العوائد الدورية والقوائم المالية الواضحة والشفافة أدوات قد يُنصح بها. وعليه مراقبة تذبذب الأسعار لالتقاط الأسعار عند هبوطها وليس عند صعودها.

ملخص

قد يراود البعض سؤال: هل البنوك التجارية تقوم بأعمال شريرة ضد الأشخاص وتخدم فقط وفقط كبار الأثرياء أم أنها تقوم بأعمال ذكية حسب مصالحها؟

الجواب، وحسب قراءتي للمشهد: البنوك رافد ورافعة اقتصادية مهمة لأي نظام مالي في أي بقعة من العالم. والسيولة النقدية هي الشريان المغذي لإدامة الحياة في أجسام البنوك بشكل خاص واقتصاد أي بلد؛ ولذا تتفنن معظم البنوك التجارية في استقطاب زبائن جدد وزيادة مساحة أعمالها وخلق صنوف العروض التسويقية للحفاظ على الزبون داخل دائرتها في كل أنشطته المالية.

أجندة 2030 والعالم الرقمي يجعلان الأمر أكثر وضوحًا في سيطرة البنوك على مشهد وحياة كل إنسان في المعمورة. البنوك تقوم بأعمال ذكية، وبعضها احترافية جدًا لا يستطيع الفرد القيام بها، وإن قام بها فإنه في نطاقات محدودة وضيقة وتجارب شبه يتيمة!!

الواقع يتطلب من الفرد أن يكون يقظًا في صنع قراراته المالية بشكل حسابي وموضوعي، سواء في حله أو ترحاله، وفي فقره أو غناه، وفي طلب قرض أو ربط وديعة. البنوك لا تحبك ولا تحلبك؛ البنوك تدور مصالحها، وأنت أيضًا دُرْ مصالحك.