ما الذي أبقاها؟
الأيام لا تغادر بيوتنا كاملة وهذا أحب ما فيها.
فهي أشبه بسجل عمر لا بورقة تُطوى بانقضاء يومها وتُغادر التاريخ ولا تُغادر الإنسان.
يبقى منها شيء في النفوس.
ويستقر شيء في الذاكرة.
ثم يعود بعد أعوام بصورة مختلفة.
فالكلمة التي قيلت في لحظة انفعال لا تنتهي عند آخر حرف خرج من الفم.
تبقى.
وقد تكبر داخل القلوب أكثر مما كبر حجمها يوم قيلت.
ولهذا فإن كثيرًا من قصص الطلاق لا تبدأ بورقة ولا كلمة.
ولا تبدأ بمحكمة.
ولا تبدأ عندما يترك أحد الزوجين البيت بعد كلمة قالها الغضب ولم تتسع لها الحكمة.
إن بدايتها الحقيقية تكون في أيام سابقة مرّت صغيرة في حجمها كبيرة في أثرها.
يوم سخر أحدهما من تعب الآخر.
ويوم تجاهل أحدهما اعتذارًا صغيرًا.
ويوم قرر أحدهما أن يحتفظ بالعتب في صدره بدل أن يتحدث عنه.
ويوم تحولت المشكلة من هفوة محدودة إلى دفتر لا تنتهي صفحاته.
هناك تبدأ الحكاية.
أما الطلاق فغالبًا يكون الصفحة الأخيرة فقط.
ومن أغرب ما يمر على الإنسان أن كثيرًا من الأزواج لا تنقصهم المحبة بقدر ما تنقصهم طريقة التعامل مع الخلاف.
فعند اختلاف شخصان في متجر يستطيعان الخروج منه وعند اختلاف موظفان يستطيع كل منهما العودة إلى منزله.
أما الزوجان فيجمعهما عمر كامل لا لحظة خلاف.
ولهذا فإن إدارة الخلاف داخل الأسرة تحتاج إلى مهارة تختلف عن كل العلاقات الأخرى.
فالمشكلة ليست في وجود الاختلاف.
فالاختلاف جزء من طبيعة البشر.
المشكلة في الطريقة التي يُدار بها الاختلاف.
هناك قضايا صغيرة تضخمت حتى صارت كالجبل لأن كل طرف أراد أن ينتصر ولم يتفهم الطرف الآخر.
وهناك أيضا قضايا كبيرة ذابت في ساعات لأن أحد الطرفين اختار أن يحافظ على الإنسان قبل أن يحافظ على رأيه ورأى الأمر سكنًا وعشرة.
ومن يتأمل البيوت بحياتها المستقرة يجد أن سرها ليس غياب المشاكل فهذا الأمر لم يُمنح لأحد ولم يصل أحد اليه كذلك وإنمايجد شيئًا آخر.
إذ يجد مساحة واسعة من التغافل.
ويجد نفوسًا لا تمنح الانفعال حق قيادة الموقف كلما اشتدت الأحوال. ويجد أشخاصًا يعرفون أن كل كلمة تخرج وقت الانفعال قد تحتاج سنوات لإصلاح أثرها.
والحقيقة التي لا يحب كثير من الناس الاعتراف بها أن بعض الطلاق كان يمكن أن يكون أخف ألمًا لو حضرت الحكمة قبل اشتعال الخلاف.
ليس لأن طرفًا واحدًا يتحمل المسؤولية، فالأسرة لا تُبنى بيد واحدة ولا تتعثر بخطأ واحد.
وذلك أن الهدوء والتروي يفتحان أبوابًا لا تراها العيون ساعة الغضب.
فالإنسان عند غضبه يضيق أفقه ويرى الحاضر والحال فقط أما حين يهدأ فإنه يلتفت إلى العمر الذي بين يديه ويتذكر الأيام الجميلة ويتذكر أبناءه والرحلة الطويلة التي جمعته بمن أمامه.
ولهذا كانت الحكمة القديمة تقول إن بعض القرارات تحتاج ليلة كاملة قبل أن تُتخذ لأن الليل كثيرًا ما يطفئ ما تعجز عنه ساعات الانفعال.
فأحلى الصفات التي تحفظ البيوت أن يعرف الإنسان متى يتنازل دون أن يشعر بالهزيمة.
فالتنازل في الحياة الزوجية ليس خسارة بقدر ما هو استثمار طويل الأجل والكلمة الطيبة ليست ضعفًا والابتسامة عند اشتداد التوتر ليست استسلامًا وحسن الظن ليس سذاجة فكلها أدوات صغيرة جدًا وأثرها أكبر بكثير من حجمها ولهذا فإن البيوت لا يحفظها الكمال.
فالكمال لم يسكن بيتًا قط بينما تحفظها قلوب تتذكر في لحظة العتب أن بينها تاريخًا أطول من المشكلة ذاتها.
وتتذكر في لحظة الغضب أن الإنسان الذي أمامها ليس خصمًا في قضية.
إنه موضع سكن ورحمة.
فهو بعض ما استودع الله قلبك من مودة وأيام.
فإذا استقر هذا المعنى في النفوس تخف حدّة كثير من النزاعات والخلافات وحتى الأزمات أيضًا بعون الله تعالى وتصبح العودة أسهل من القطيعة ويصبح الإصلاح أقرب من الفراق.
وعندها يكتشف الإنسان متأخرًا أن أعظم الانتصارات داخل البيوت ما كانت بكسب أحد الزوجين المعركة.
وإنما أن يبقى البيت قادرًا على احتضان أهله بعد انتهائها بإذن الله.













