آخر تحديث: 8 / 6 / 2026م - 9:19 م

الإنصاف بين الوعي والمفهوم

جمال حسن المطوع

الإنصاف لغة حضارية يتبناها العقلاء، وخاصة في الجانبين المادي والمعنوي، وهو ينبع مما له من معطيات تدور رحاها في أذهان كل من يؤمن به ويتبناه، ليعطي دفعًا وزخمًا في تثبيت حقائق واستحقاقات ربما كانت مجهولة أو غائبة عن بال من لم يتبنها أو يأخذ بها، لغفلة في مفهومه التوعوي، وحالة الإدراك العقلي، والشعور الداخلي بالذات وما يحيط بها واستيعاب الأمور بحيادية وتجرد إزاء ما تطرق إليه ناقل المعلومة وموصل المعرفة إلى المتلقي أو المتابع.

وقد شاهدت مؤخرًا على إحدى منصات التواصل الاجتماعي لقاءً شيقًا لأحد الإخوة الأفاضل الذين لهم اطلاع معرفي نسبي على الإرث التاريخي والحضاري للمنطقة الشرقية، وكان حوارًا ممتعًا ركز فيه الأخ المجاوب على قضايا تاريخية ووطنية مهمة ذات أبعاد مفصلية وديموغرافية متعددة الشؤون والأحداث.

وهنا نركز على بعض المقتطفات التي أشار إليها في حديثه، حيث إنه أسهب كثيرًا عن محافظتي الأحساء والقطيف، وعرج بعد ذلك على محافظة الدمام وما تشهده هذه المحافظات من تقدم وتطور على الصعيدين الحضاري والوطني، وهذا شيء لا غبار عليه، وهو أمر واقع وواضح ومحل افتخار واعتزاز لكل مواطن، ولكن حبذا لو أنه عرج في سياق مقابلته وحديثه ولو بلمحة سريعة على مدينة سيهات المحروسة إنصافًا واهتمامًا وذكر عوالمها تاريخيًا وحضاريًا، والتي تعد من المدن العريقة، وهناك شواهد تراثية عشناها ورأيناها رأي العين، وما زالت بعض آثارها باقية حتى وقتنا الحاضر، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا وأصالة مع حاضرة القطيف وما تشهده من تطور.

وقد فات على المتحدث سهوًا أن هذه المدينة بأهلها وإرثها وتاريخها المشهود واضحة للعيان، وقد صدق قول الشاعر المعروف بأبي بحر الخطي عندما وصف مجتمع سيهات آنذاك بعنفوان شبابها وشاباتها في قصيدة له، حيث قال:

هلا سألت الربع من سيهات
عن تلكم الفتيان والفتيات

ومجر أرسان الجياد كأنها
فوق الصعيد مسارب الحيات

ومجدفات السفن أدنى برها
من بحرها ومبارك الهجمات

حيث المسامع لا تكاد تفيق
من ترجيع نوتي وزجر حداة

وقد أجاد الشاعر الوصف بمعنى الكلمة لهذه المدينة وأهلها، وها هم اللاحقون خير خلف لخير سلف للراحلين، قد أكملوا المسيرة بعناية واقتدار وعزم وإصرار، وحققوا إنجازات على المستوى الأهلي والاجتماعي والوطني.

وكانت سيهات السباقة في ضيافة واحتضان أهل العلم من علماء الدين الأفاضل الذين شرفوا منطقتنا وأثروا الساحة إرشادًا وتوجيهًا في توعية المجتمع القطيفي بشكل عام، والسيهاتي بشكل خاص.

ولا ننسى أن مدينتنا كانت محل تلاقح بين أنشطة أدبية ورياضية وغيرها من النشاطات الأخرى، كمهرجانات الأعراس سابقًا، التي كان لها دور فاعل في تسهيل حفلات الأعراس والتقليل من نفقاتها وتكاليفها المادية.

فسيهات الحبيبة، كما هو معروف، أن مجتمعها صاحب الريادة في المجال المدني والتعاوني والرياضي، ومن هذه البيّنات جمعية سيهات التي أخذت قصب السبق في خدماتها الاجتماعية المتعددة على مستوى المملكة.

ومن المعالم والإنجازات البارزة التي ميزت مدينة سيهات نادي الخليج الرياضي، فهو أشهر من أن يُعرَّف ببطولاته ومساهماته النشطة شبابيًا وكرويًا، وخاصة في كرة اليد التي أبدع فيها بلا منافس، متوجًا ببطولاتٍ مميزة وتطلعات مستقبلية هادفة وواضحة لكل ذي لب.

ونحن هنا نوجه البوصلة بشكل عام إلى من يتصدون من الباحثين والمؤرخين لهذه الأمور، لأخذها بعين الاعتبار، كي لا يكونوا موضع عتابٍ وملامة في قادم الأيام…. والله الموفق.