ليس كل مالٍ نعمةً.. ولا كل مصيبةٍ نقمةً
المال والمصيبة: «فتنة ونعمة» في ضوء تعاملنا معهما وكيف نتعامل معهما بالشكر أو الطغيان في الأولى، وبالتفويض أو السخط في الثانية، تتحدد عاقبتنا؛ فإن أحسنا وصبرنا فزنا، وإن أسأنا في الحالتين هلكنا.
ينظر كثيرون إليه على أنه تكريم من الله ودليل رضا الله عن العبد، وكلما زاد زاد شعور صاحبه بالاستحقاق، حتى تتجه نحوه سهام الحسد من المحيطين به الذين يتمنون مثله لما يرونه من ظاهر الرفاهية. لكن قلّ من يسأل: لماذا أُعطي هذا المال؟ ربما سُلِب معه ما هو خير ك«الصحة»، فهل هذا التصور دائمًا صحيح؟
الحقيقة أنه اختبار قبل أن يكون عطاء؛ فالبعض يبغي ويتكبر كأنه حصل عليه بجهده، متناسيًا أنه ابتلاء ليُرى ماذا سيفعل به: يحبسه عن نفسه، ويمنع الحقوق الشرعية، ويحرم المحتاجين، ولا يحسن التصرف كما هو مطلوب، بل يتعدى ذلك إلى إنفاقه في الملذات والمحرمات. إن كان كذلك فهو «نقمة»، فقد فشل صاحبه في الامتحان، وسيُسأل يوم القيامة: «من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟»، وتُكوى بها جلودهم، وفي قصة قارون عبرة:
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ [القصص: 76-81]
أما إن كانت مصادره مباحة، ولم يتعدَّ على حقوق الغير، وأدّى ما عليه من مستحقات، وأنفق بالمعروف، وساعد ضعيفًا، وسد حاجة معوزًا، وكفل يتيمًا، وزوّج عازبًا، وشارك في مشاريع خيرية، ولم يوجّهه إلى المنكرات، فهنا منحه الله «نعمة» يبارك له فيها ويُغبط عليها.
نتعرض للمصائب، وأشدها ما يكون على الأنبياء والأوصياء والأولياء. تتعدد مسمياتها، ومن أصعبها «فقد الأحبة»؛ لا يحس بحرارتها إلا من عاناها. ولضعفنا أمامها، وتدني ثقتنا بالله، وعدم التسليم له، وثقافتنا الموروثة، وجهلنا بما دُفع عنا من عظيم البلاء، نعتبرها غضبًا منه تعالى، فنزداد جزعًا وهمًّا وغمًّا حتى نضعف أمامها وننهار.
ولو علمنا أنها «جوهرة» بأمره تعالى أُعطينا، وأن تعاطينا مع أحداثها هو الفيصل، فإما أن نعتبرها «فحمة» نلقيها في نار الجزع فتحترق، فنخسرها ونأثم لتضييعها، وبدلًا من الاستفادة منها نسخط على ربنا.
وإما أن نصبر ونوقن أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، ليوفينا الله أجر الصابرين كما وعد في سورة البقرة:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]
إن أُصبتَ بعظيم فتذكر أن هناك أعظم، وإن تكررت عليك المصائب فغيرك أكثر بمرات؛ فإذًا هما ميزانان، والرابح من عرف كيف يشكر عند العطاء ويصبر عند البلاء.













