هل الشهادات الرياضية شكلية؟
شهدت الأوساط الرياضية مؤخراً نقاشاً واسعاً وجدلاً مستفيضاً إثر حصول مجموعة من اللاعبين والكوادر الإدارية في الأندية على شهادات الماجستير من معهد إدارة الرياضة ببرشلونة «SBI»، هذا الحراك أثار تساؤلات مشروعة لدى الشارع الرياضي والمختصين حول كيفية التوفيق بين هذه الدراسة والمتطلبات الأكاديمية الصارمة، وبين جداول المباريات والمعسكرات المزدحمة طوال العام، وما إذا كانت هذه الشهادات قد تحولت إلى مجرد ”وجاهة شكلية“ واستعراض إعلامي.
إن فهم هذا المشهد بعمق يتطلب الابتعاد عن الصراعات، فالهدف ليس الدخول في تصادم لا نتيجة منه، بل تفكيك الحقائق وتقريب وجهات النظر بين جبهتي التأييد والمعارضة، فالأمر لا يتعلق بسوء نية من الطرف المعارض الذي يملك أسبابه المنطقية للتشكك، وأهم شيء هو الخوف على مستقبل الأجيال من سهولة التعليم وبهرجة المسميات، كما لا يتعلق الأمر بمجرد دفاع مستميت ممن حصل على الشهادة التي هي مطلوبة مستقبلًا.
وبصراحة نحن أمام نمطين مختلفين من الدارسين في المعهد: طرف تعامل مع التجربة بجدية تامة واجتهد لتحصيل فائدة حقيقية، وطرف آخر انشغل بمسؤولياته الميدانية واستغل مرونة التعليم الرقمي «Online» لتمرير المهام عبر آخرين دون تحقيق إضافة معرفية فعلية وهي تهمة متداولة من قبل المعارضين، وهذا التباين يفرض علينا غوصاً علمياً دقيقاً في فلسفة هذه الشهادات، وطبيعة تصميمها، وصولاً إلى وضع حلول عملية تضمن جودة المخرجات في منظومتنا الرياضية المحلية.
في البداية يجب فرز الماستر المهني في مواجهة التعليم الأكاديمي، لأن الجامعة التقليدية «الأكاديمية» تركز بالدرجة الأولى على سؤال "لماذا حدث هذا؟، حيث تعتمد على النظريات، التاريخ، المنهج العلمي الصارم، والفلسفة المعمقة؛ وهدفها الأساسي هو إعداد باحث، منظر، أو أستاذ جامعي بما يتعلق بدرجة الماستر.
أما المعاهد المتخصصة «المهنية» فهي تركز على سؤال ”كيف تفعل هذا؟“ هي تعتمد على الممارسة، الأرقام، الحلول الفورية، وبناء العلاقات؛ وهدفها إعداد ممارس تنفيذي جاهز لإدارة الأزمات وصناعة القرار في المؤسسة الرياضية من اليوم التالي للتخرج.
لذلك لديهم معايير القبول ونظام ”معادلة الخبرة“ حيث لا تنظر المعاهد الرياضية الدولية إلى الشهادات الورقية السابقة بقدر ما تنظر إلى ”سياق الطالب“ وخبرته الميدانية، مستندة إلى نظام عالمي معترف به يُعرف بـ ”معادلة الخبرة المهنية“ وأن كان تطبيقه محدود جدًا.
من هذا المنطلق يرى المعهد أن معايشة اللاعب أو الإداري اليومية لواقع غرف الملابس، وضغوط الإعلام، والتعامل مع عقود الرعاية، والقرارات الفنية للمدربين، هي بمثابة ”مختبر عملي مستمر“ يفوق في قيمته سنوات البكالوريوس النظرية.
لذلك ربما مكمن الإشكالية هو التناقض بين القيمة العلمية وطريقة الاستهلاك المحلي، والتشكك الذي أظهره الشارع الرياضي لا يستهدف بالضرورة من درس واجتهد وتفرغ للحصول على المعرفة، بل يكمن في إشكالية حصول البعض عليها دون مجهود ملموس «عبر توكيل أشخاص آخرين للقيام بالمهام الرقمية بحكم انشغالهم»، هذا السلوك يخلط الأوراق ويجعل الشهادة تبدو كمنتج تسويقي للمعهد أكثر من كونها استحقاقاً علمياً، ولا شك مثل هذا المبرر يحتاج إلى بينة حقيقة.
الإشكالية إذن ليست في ”قيمة المحتوى العلمي“ للمعهد، فهو محتوى قوي وعملي وتطبيقي جداً كما أكد من نثق فيهم، بل الإشكالية في طريقة العرض، حيث يتم التعامل مع شهادة مهنية، وعرضها في مجتمعنا بـ ”فلاشات“ الماجستير الأكاديمي الصارم، مما يُحدث اللبس والتشكيك لدى الجمهور ويوحي بوجود زيف أو مبالغة، لأنه لو كان المسمى دبلومًا بحسب العرف المحلي لأي جهة مهنية تقدم شهادات، لما كانت هذه المبالغة في العرض، ولما غيّر البعض «البايو» في منصة إكس واضعًا أنه حاصل على دبلوم رياضي، مثلما يحدث مع مسمى ماستر أو ماجستير كما يحب البعض.
ولا شك هناك حلول ومقترحات لضمان الموثوقية والجودة لكي نبتعد عن فلك النقاش في المشكلة، وخاصة أن الجهات الرياضية المحلية فتحت المجال لقبول هذه الشهادات لدعم الكوادر الوطنية، ولكن لضمان ألا تفرغ هذه الخطوة من مضمونها وتحول البرامج إلى وجاهة شكلية، يجب الانتقال إلى مأسسة العملية عبر حلول واضحة:
1. تطبيق معايير التصنيف المهني واختبارات الكفاءة على غرار القطاع الصحي والهندسي، يجب على الجهات الرياضية المختصة «مثل وزارة الرياضة أو الاتحاد المحلي لكرة القدم» استحداث اختبارات كفاءة وتصنيف مهني، يصبح هذا الاختبار هو الفيصل الحقيقي والوحيد لفرز من حصل على المعرفة والمهارة بشكل حقيقي ممن نالها بطريقة شكلية، بعيداً عن المسميات الرنانة التي تحتاج إلى توضيح دقيق يمنع اختلاط الأمر على العامة.
2. مأسسة التعليم الرياضي المهني محلياً، فمن الضروري أن تطرح الجامعات والمؤسسات التعليمية المحلية برامج تخصصية مشتركة بالتعاون مع هذه المعاهد الدولية، لتدمج هذا النمط المرن في منظومتنا التعليمية الرسمية، هذا الاندماج يضمن رقابة محلية على آلية الحضور والتقييم، وينقل التخصصات الحيوية إلى مستوى احترافي موثوق، عبر مسميات متعارف عليها محليًا وعالميًا وليس على نطاق محدود.
3. القياس بالأثر لا بالوثيقة، حيث يجب أن تتبنى الأندية والمؤسسات الرياضية ثقافة ”التقييم بالأداء“، فلن تكون الصورة الشخصية بوثيقة التخرج في منصات التواصل هي المقياس، بل الكفاءة على أرض الواقع: هل تطورت المراكز الإعلامية؟ هل تحسنت آليات الإدارة القانونية والاستثمارية للأندية؟ هل شهدنا فكراً متطوراً في صياغة العقود والرعايات؟
الخلاصة من هذا المقال، أن الشهادات الرياضية المهنية ليست شكلية في أصلها وفلسفتها، بل هي أداة تختصر سنوات من التنظير لصالح الممارسة الميدانية وبناء شبكات العلاقات الدولية، لكن تصبح شكلية عندما تغيب الرقابة الذاتية من الدارس، أو عندما يغيب الفرز المهني من المؤسسة، لذلك الموازنة بين تشجيع الكوادر الرياضية على التطوير، ووضع فلاتر مهنية صارمة لقياس الكفاءة الفردية، هو الطريق الوحيد لضمان جودة المخرجات، وبناء قطاع استثماري رياضي حقيقي وموثوق يواكب التطلعات الطموحة، وخاصة أن هذه الشهادة ليست مقبولة للعمل في وزارة الرياضة لأنها جهة حكومية، في حين هي مطلوبة في باقي المؤسسات الرياضية بالمملكة مستقبلًا وليس هناك بديل عنها حتى الآن.













