آخر تحديث: 6 / 6 / 2026م - 9:19 م

أعمال ونيّات «1»

المهندس أمير الصالح *

النيات التي تدور في قلوب الناس وأذهانهم لا يعلم بها إلا الله جل جلاله وصاحبها. كبشر لا نطلع على ما تضمره الأنفس «هل شققت عمّا في قلبه؟!». وإنما نرى ونشاهد الأعمال والأفعال ونسمع الأقوال والتصريحات. شرعًا وأخلاقًا وعقلًا وعُرفًا وقانونًا مطالبون كبشر أن نتعامل مع الآخرين على أساس الأفعال والتصريحات لا النيات والافتراضات. الأعمال الصادرة من البعض قد تكون صغيرة جدًا وقد تكون كبيرة جدًا، وتأثيرها واسع النطاق أو ممتد الزمن؛ إلا أن كلا العملين يمكن اعتباره حجر أساس لبناء مشروع أو اعتماد مبادرة أو إطلاق ركن يمكن استنساخه والتوسع في تطبيقه طبقًا لإمكانات المنجز له وترجمانًا لما يضمره صاحبه من نية خير أو شر. فالنية هي البوصلة الحقيقية لما يعتمل ويختمر في قلب الإنسان وعقله ووجدانه.

حوار

ورد في الحديث النبوي الشريف «إنما الأعمال بالنيات»؛ وحسب فهمي للتعبير النبوي الشريف لهذا المقطع من الحديث، فإن الأعمال الصادرة عن أي شخص بالإجمال وبكامل إرادته وحريته ما هي إلا ترجمة صادقة عمّا يضمره من نية في قلبه ووجدانه ولبنات أفكاره؛ وعليه تؤخذ الأمور ونصدر الأحكام بناءً على الأعمال؛ لأننا نتعامل بالمحسوس في عالم الشهادة، أي ما نشاهده من الأشخاص.

النية المحبوسة

كم مرة في حياتك صادفت، بعد أن أطلقت: مبادرة، نشاطًا، عملًا خيريًا، عملًا تربويًا، عقد ندوة، تبني رحلة، فتسمع أحدهم يقول: صدق أو لا تصدق، كنت أفكر في نفس الموضوع ولكنك سبقتني!

هناك كثير من النيات المحبوسة في صدور الكثير من الناس، ولكنها قد لا تتعدى نية طيبة وحلمًا أبيض بإنجاز عمل طيب، ويدركها صاحبها بعد أن يرى آخرين أنجزوها قبله بإمكانات متواضعة جدًا وطرق مبدعة.

مشوهات النية

حتمًا هناك أعمال تدخل عرضًا أو عمدًا أثناء إنجاز مهمة عمل خير ما، قد تؤدي إلى إفساد العمل أو إحداث قراءات مختلفة واستنطاق نية باطنة أو نيات مبطنة أو أجندات متباينة! ومن تلك الأعمال ما قد يشوه النية الأساسية أو تُصنف على أنها مشوهات النية الأساسية للعمل المراد إنجازه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

1 - محاولة إبراز وإثبات الذات «Show-off».

2 - إظهار السيطرة على الآخرين.

3 - المنّ مع الأذى بعد البذل والعطاء.

4 - تباين النية الأصلية من النية العارضة.

5 - التغطية الإعلامية والرقمية للمناسبة بطرق مبالغ فيها تصل حدّ الابتذال.

6 - كثرة تكرار واجترار المدح لحدث ما بحدّ مبالغ فيه، قد يُصنف على أنه نوع من المن أو التشهير أو المفاخرة الاجتماعية والتفضل على الآخرين.

أساليب التحكم بالنية الأصلية

يُقال لتصفية النية: انوِ نية حسنة وبادر بالعمل على إنجاز العمل المتعلق بالنية «نية أداء حج / نية مبادرة إطلاق رحلة عائلية / نية إقامة مأدبة عائلية كبيرة / نية تكريم رجل أو امرأة من أهل الإنجاز في الحقل العلمي أو التربوي أو الاقتصادي أو الخيري أو الأدبي / نية كفالة أيتام / نية مبادرة تجمع لأبناء الحي من أهل الطيبين / نية إنعاش مجموعة رقمية عائلية عبر فعاليات متنوعة… إلخ» دون تسويف، وحدد الهدف من إنجاز المهمة المقصودة، وتوكل على الله جل جلاله. والالتزام باستحضار النية الأساسية طوال مدة الإنجاز، وتفادي الوقوع في فخاخ الأضواء والإعلام المخادع، وتجنب أصحاب التملق والإطراء الزائد وأصحاب التحزب والانحياز.

وإن شعرت أن تحقيق النية على أرض الواقع يحدث الفرق المنشود، فواصل وحافظ على عملك وهمتك للإنجاز. وإن شعرت أو أحسست، ولو لم تتحقق الأهداف، أن هناك مخاوف ما محبطة أو مهدرة للطاقات أو معرقلين لسعيك المحمود أو مثبطين، ولا تستطيع تجاوزها أو تحملها، فغير مكان غرس عملك الطيب لمكان آخر أكثر تفاعلًا معك ومع نيتك النظيفة. وحاول أن تعرف في كل الأحوال كل تلك المخاوف وإدراجها، وحاول أن تعالجها بعد تفكيك المسببات في أي مكان تريد أن تنجز عملًا طيبًا فيه بعد عقد نية سليمة.

وإن شعرت أو أحسست، ولو تحققت النية على أرض الواقع، أن العُجب قد تسرّب إلى نفسك، فعليك الاستدراك وتسديد نيتك أولًا بأول قبل أن يكون عملك هباءً منثورًا في نظر الخالق والمخلوق. ونفترض في كل الأحوال أن النية لعمل ما أو قول ما صادرة من صاحب النية، وليست ناتجة عن ضغوط أو تحشيد الناس أو مطالبتهم وتأثيرهم على صاحب النية أو مجاملة منه لأحد منا.

صفاء النية

هذا البند سيتم معالجته في مقال منفرد لتعدد جزئياته.

العالم الرقمي وكشف النيات

الإنترنت لم يفسد المجتمع، ولكن بعض مكونات المجتمع منحرفة وشبه منحرفة أو فاسدة، والإنترنت حيث العالم الرقمي أظهر حقيقتها وأصنافها، سواء أكان فاسقًا أم منافقًا أم مرائيًا أم وصوليًا أم انتهازيًا أم نمامًا أم مخادعًا نصابًا أم مختلًا أم ساقطًا أم خبيثًا أم مجدفًا أم مرجفًا محبطًا… كما أبرز العالم الرقمي أيضًا قيم الأصيل من الناس وأعماله وأقواله.