آخر تحديث: 6 / 6 / 2026م - 9:19 م

التقوى تصنع قيمة العطاء

مصطفى صالح الزير

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ [الحج: 37]

هذه الآية العظيمة تختصر ميزان القبول عند الله تعالى. وكأن الآية الكريمة تريد أن تصحّح ميزان الفهم لدى الإنسان، فتؤكد أن الله سبحانه لا ينظر إلى ظاهر القربان ومادته، وإنما ينظر إلى ما يحمله من تقوى وإخلاص وصدق توجه إليه عز وجل. فالله سبحانه غنيّ عن لحوم الأضاحي ودمائها، منزّه عن كل حاجة، وإنما يريد من عباده قلوباً عامرة بالتقوى، وأعمالاً مفعمة بالإخلاص، لأن التقوى هي التي تقرّب العبد من ربّه وتمنح العمل قيمته الحقيقية عند الله تعالى.

فميزان السماء يختلف عن موازين الأرض؛ فالناس كثيراً ما تنظر إلى كثرة ما يُبذل، أما الله سبحانه فينظر إلى الدافع الذي حرّك اليد لتبذل، وإلى القلب الذي وقف خلف العطاء. فقد تتفاضل الأعمال عند الناس بالأحجام والأعداد، لكنها عند الله تتفاضل بالإخلاص والتقوى وحسن القصد.

فالله سبحانه لا ينظر إلى كثرة اللحم، ولا إلى حجم العطاء، ولا إلى عدد الأطباق والتوزيعات، وإنما ينظر إلى ما يحمله القلب من إخلاص وتقوى وصدق نية.

وفي مواسم الخير والمناسبات الدينية قد ينشغل بعض الناس بمقارنة الكميات والأعداد؛ هذا وزّع كثير، وذاك قدّم موائد كبيرة، وآخر لم يستطع إلا أن يقدم شيئاً يسيراً. لكن القرآن يعيد ترتيب الأولويات، ويذكرنا بأن قيمة العمل لا تُقاس بحجمه الظاهر فقط، بل بما يحمله من روح التقوى.

جوهر العطاء صفاء القصد:

ربّ لقمة يسيرة، أو شربة ماء، أو هدية متواضعة، يقدّمها صاحبها بقلب مخلص يريد بها وجه الله، تكون عنده سبحانه أعظم أجراً من أعمال كثيرة خالطها الرياء، أو حب الظهور، أو طلب المدح والثناء.

إن الأعمال تشبه الأجساد، والنية هي الروح التي تسري فيها؛ فكما أن الجسد بلا روح لا حياة فيه، كذلك العمل بلا إخلاص يفقد قيمته الحقيقية. ولهذا كان الصالحون يهتمون بإصلاح النية أكثر من اهتمامهم بإظهار العمل، لأنهم يعلمون أن الله مطّلع على السرائر قبل الظواهر.

إن الكيفية «النية» أهم من الكمية «العدد»، وصفاء العمل أهم من كثرته؛ لذلك ينبغي للإنسان أن يشتغل قبل كل شيء على تنظيف نيته وتصفية قصده، وأن يسأل نفسه:

لماذا أفعل هذا العمل؟

ولمن أقدمه؟

وما الذي أريده منه؟

ومن رحمة الله بعباده أن جعل باب النية مفتوحاً للجميع؛ للغني والفقير، وللكبير والصغير. فقد لا يملك الإنسان المال الكثير، لكنه يملك قلباً صادقاً ونية خالصة ترفعه عند الله درجات عظيمة.

بل إن من سعة رحمة الله وكرمه أن الإنسان قد يؤجر على نية الخير وإن لم يملك المال أو الوسيلة أو المقومات التي تمكنه من تنفيذ ما نواه. فكم من مؤمن تمنى أن يطعم جائعاً، أو يكفل يتيماً، أو يقيم مأدبةً في حب الله وأوليائه، أو يساهم في عمل خيري، ولكن ضاقت به الأحوال وقصرت يده عن ذلك. ومع ذلك فإن الله سبحانه لا يحرم قلباً صادقاً من الأجر؛ لأن النية الصالحة «عمل قلبي عظيم» له وزنه عند الله تعالى. فإذا صدق العبد في قصده وعزم على الخير حتى وإن لم يتمكن منه، كتب الله له من الثواب ما يعلم سبحانه من صدق نيته وإخلاصه.

ولذلك لا ينبغي لأحد أن يحرم نفسه من نية الخير بحجة قلة ذات اليد، بل ليُكثر من النوايا الصالحة، وليحمل في قلبه مشاريع الخير وإن عجز عنها اليوم، فرب نية صادقة سبقت عملاً لم يولد بعد، ورب أمنية خالصة كتب الله لصاحبها أجرها كاملاً بفضله ورحمته. فالقلوب العامرة بحب الخير هي في طريق العطاء وإن لم تمتلك أدواته، والله تعالى كريم لا يضيع أجر من أحسن نيةً وأخلص قصداً.

فإذا لم تستطع أن تُقيم مأدبةً كبيرة. وإذا لم تتمكن من إعانة محتاج، فاحمل همَّه في قلبك واسأل الله أن ييسر لك خدمته. وإذا لم تملك اليوم ما تبذله بيدك، فلا تحرم نفسك من أن تبذله بقلبك ودعائك وصدق نيتك؛ فإن أبواب الأجر عند الله أوسع من حدود الإمكانات المادية، وخزائن رحمته لا تضيق بمن صدق في إرادة الخير.

من معين النبوة وأهل البيت

ورد عنهم : «نية المؤمن خير من عمله»، لأن النية الصادقة هي روح العمل وسر قيمته. كما روي عن الإمام الصادق أن «ألا إن النية هي العمل»، إشارة إلى عظمة ما ينعقد عليه القلب من قصد وإخلاص.

إن أعظم مشروع يمكن أن يعمل عليه الإنسان هو مشروع «إصلاح النية وتوسيع أفقها»؛ لأن النية الصالحة تحول العادة إلى عبادة، والقليل إلى كثير.

ومن مصاديق هذا الإصلاح والارتقاء بالعمل، أن يربط المؤمن عطاءه بمقامات القرب والقداسة.

إن النوايا الشريفة تسكب البركة في القليل حتى تملأ الآفاق، وتجعل العطاء المتواضع يحظى بعناية إلهية خاصة، فكيف يُردّ عمل رُفع إلى الله بأسماء أحبّ خلقه إليه؟

بركة العطاء هذا العطاء:

تجسيد الأخلاق والآداب في الحياة؛ إن لهذه النية الشريفة، وتلك التوزيعات والموائد، عندما ترتبط بأسماء محمد وآل محمد «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، سراً عظيماً؛ فهي تصبح مباركة، تفيض بالخير والعافية والأرزاق المادية والمعنوية.

ولكن، الأهم من ذلك كله هو أن نلمس أثر هذه البركة وهذا العمل في واقعنا الذاتي واليومي؛ أن ينعكس على سلوكك، على أخلاقك، على كلماتك، وعلى أفعالك.

إن المطلوب هو أن تأخذ هذه البركة معك إلى منزلك، لتتجسد واقعاً حياً في بيتك:

في تعاملك مع زوجتك بالود والرحمة.

في تربيتك وحبك ورعايتك لأولادك.

في صدقك ووفائك مع أصدقائك.

في بذلك ونفعك لمجتمعك، بل وفي تعاملك الإنساني الشامل مع كافة البشر.

فالهدف الأسمى من الارتباط بنورهم هو أن تتخلّق بأخلاق محمد وآل محمد، وأن تتحلى بآدابهم صلوات الله عليهم أجمعين؛ لتكون تلك الموائد والتوزيعات طاقة تُهذّب النفوس قبل أن تُشبع البطون، وهذا هو المحك الحقيقي والغاية العظمى.

ولعل من أجمل ثمار الإخلاص أن الإنسان يجد بركة عمله تعود إليه طمأنينةً في قلبه، وسعةً في صدره، وتوفيقاً في حياته وبركةً في رزقه. فالأعمال المخلصة لا تنتهي بانتهاء لحظتها، بل تمتد آثارها نوراً وبركةً في الدنيا، وأجراً ورفعةً في الآخرة.

لحظة أمل:

ومن الكلمات التوجيهية العميقة التي سألت عنها في نهاية شهر رمضان المبارك

سماحة الأب الروحي الشيخ محمد كاظم الجشي «حفظه الله تعالى»

س/ بماذا تنصحونا في المحافظة على الضيافة الإلهية طوال العمر؟

الجواب/ ”الهدوء في البيت“، ”فالبيت ينبغي أن يكون عامراً بالسكينة والهدوء“.

”وليس المهم كثرة القراءة أو التسبيح“، بل ”المهم أن يظهر المفعول“.

والأثر العملي لهذه العبادات في حياة الإنسان. فإذا لم تنعكس العبادة على أخلاقنا وسلوكنا وعلاقاتنا الأسرية، فإننا بحاجة إلى مراجعة أنفسنا.

”إن الأعمال تُعرض على رسول الله ﷺ، والصحف تُرفع، فلابد أن يسأل الإنسان نفسه: هل أعمالي تصل نظيفة؟“.

هذه الوصية تختصر معنى الضيافة الإلهية الحقيقية؛ فليست العبادة كلمات تُتلى فحسب، وإنما نورٌ ينعكس هدوءاً في البيت، ورحمةً بين أفراد الأسرة، وحلماً عند الغضب، ولطفاً في التعامل، وصدقاً في المعاملة. فكلما ازداد الإنسان قرباً من الله تعالى، ظهرت آثار ذلك في سكينته وأخلاقه، لأن العبادة التي لا تترك أثراً في السلوك تحتاج إلى مزيد من الإخلاص والتأمل والمراجعة.

إن أجمل ما يحمله الإنسان من مواسم الطاعة والولاء ليس مجرد الذكريات والشعائر، بل أن يحمل معه روحها إلى حياته اليومية؛ فيكون بيته أكثر هدوءاً، وقلبه أكثر صفاءً، ولسانه أكثر طيباً، وأخلاقه أقرب إلى أخلاق محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين. فهذه هي البركة الحقيقية التي ينبغي أن تبقى مع المؤمن طوال العمر، وهي الثمرة التي تدل على أن العمل قد أثمر في القلب وأزهر في الفعل وفاح عطره في القول.

لا تحزن إن كان عطاؤك قليلاً، ولا تستصغر عملاً صالحاً قدمته. فقد يقبل الله منك القليل فيباركه ويعظّم أثره، بينما يضيع الكثير إذا خلا من الإخلاص والتقوى والولاء.

فلنجعل اهتمامنا الأول بتقوى الله في أعمالنا، ولنحرص على أن تكون موائدنا وعطايانا وتوزيعاتنا وأعمالنا الخيرية جسوراً إلى رضوانه سبحانه، ومظهراً من مظاهر حبنا وتولّينا لأوليائه، لا وسائل للمدح أو المفاخرة. فالله لا ينظر إلى ما في ”الأيدي“ بقدر ما ينظر إلى ما في ”القلوب“، وإذا صلحت القلوب بارك الله في الأعمال ”وإن كانت قليلة“ وجعل لها أثراً عظيماً في الدنيا والآخرة.

فاجعل همّك أن تُقدِّم لله «قلباً مخلصاً» قبل أن تُقدِّم للناس شيئاً من «يدك»؛ لأن اليد قد تعطي قليلاً، لكن القلب إذا امتلأ تقوى وإخلاص جعل الله لذلك القليل أثراً لا ينتهي، وبركةً تتجاوز حدود الزمان والمكان.

فيا أيها القارئ المبارك: كن من أصحاب القلوب البيضاء؛ والأيادي الخضراء.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.