آخر تحديث: 6 / 6 / 2026م - 9:19 م

هاشتاق.. كان يا ما كان..

عبد الله صالح الخزعل

كان الزمن القديم يعرف كيف يفتح أبواب الخيال بجملة واحدة: «كان يا ما كان في قديم والزمان». لم تكن تلك العبارة مجرد افتتاحية، بل كانت طقسًا صغيرًا يعيد ترتيب الداخل، يطفئ ضجيج اليوم، ويهيئ القلب لاستقبال حكمة تتخفّى داخل حكاية. كانت القصص تُروى ببطء يشبه نضج الأشياء الحقيقية، وتُقدَّم القيم كما تُقدَّم الهدايا: بلا ضجيج، بلا ادعاء، وبكثير من المحبة. كانت الحكاية تُهذّب دون أن تعظ، وتعلّم دون أن ترفع إصبعًا، وتُصلح المفاهيم دون أن تُشعر أحدًا بأنه مخطئ. كانت نافذة صغيرة على العالم، لكنها نافذة تُطلّ على معنى.

أما اليوم، فقد تغيّر المسرح وتبدّلت الأدوات. لم تعد الحكاية تُروى، بل تُطلق ك هاشتاق. والهاشتاق - في أغلبه - ابن اللحظة لا ابن الحكمة، ابن الضجيج لا ابن العمق. يظهر فجأة، يعلو سريعًا، ثم يختفي كما لو لم يكن. كثير منه لا يحمل قيمة، بل حركة استهبال عابرة، أو استعراضًا ممجوجًا، أو تقليدًا أعمى يركض خلفه الناس بلا وعي. صار الطفل يتلقى قيمه من شاشة لا تعرفه، وصار الكبير يلهث خلف موجة لا يعرف إلى أين تقوده. وبين حكايات الأمس وهشتاقات اليوم مسافة واسعة، كالمسافة بين نارٍ تُدفئ ونور شاشةٍ يبهت.

ومع ذلك، فإن المقارنة وحدها لا تكفي. فالعصر لا يعود إلى الوراء، والزمن لا يستأذن أحدًا. السؤال الحقيقي ليس: أيهما أجمل؟ بل: كيف يمكن أن نُقارب بين العالمين؟ كيف نعيد للحكاية روحها دون أن نكسر إيقاع العصر؟ كيف نُدخل الحكمة إلى قلب السرعة دون أن تفقد الحكمة وزنها؟

الحقيقة أن الهاشتاق - رغم ضحالته في كثير من الأحيان - يملك قوة لم تكن للحكاية القديمة: سرعة الانتشار، قدرة التجميع، وإمكانية الوصول إلى ملايين البشر في لحظة واحدة. وإذا كانت القصص القديمة تحمل الحكمة في قالب المتعة، فلماذا لا نصنع اليوم محتوى يحمل القيمة في قالب العصر؟ لماذا لا نعيد تشكيل الهاشتاق ليصبح امتدادًا للحكاية لا نقيضًا لها؟

يمكن أن يحدث ذلك حين ندرك أن المشكلة ليست في الوسيلة، بل في من يقودها. ليست في الزمن، بل في كيف نستخدم الزمن. يمكن أن نعيد روح الحكاية إذا صغنا محتوى قصيرًا، مكثفًا، يشبه نبض اليوم لكنه يحمل جوهر الأمس. إذا جعلنا من الهاشتاق منصة للقيم لا منصة للفراغ. إذا قدّمنا قصصًا صغيرة، لامعة، تُمسك القارئ من قلبه قبل أن تُمسكه من عينه. إذا استخدمنا أدوات العصر دون أن نتخلى عن جذورنا. إذا صنعنا محتوى يليق بأبنائنا، لا محتوى يلتهم أبناءنا.

إن الجسر بين العالمين ليس مستحيلًا. فالحكاية روح، والهاشتاق أداة، والروح تستطيع أن تسكن أي وعاء إذا أُحسن تشكيله. وإذا استطعنا أن نعيد للحكاية مكانها، فسنكتشف أن ”كان يا ما كان“ يمكن أن تعيش داخل شاشة، وأن الهاشتاق يمكن أن يتحول من موجة عابرة إلى قيمة باقية، وأن الماضي والمستقبل ليسا خصمين، بل جناحين لقلب واحد يعرف كيف يروي ويُعلّم ويُدهش.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 5 / 6 / 2026م - 1:47 ص
كعادتك أستاذ عبدالله، تبهرنا بعمق مقالاتك وجمال رؤيتها. وأضم صوتي إلى ما طرحتَه حول ضرورة مواكبة أدوات العصر في إيصال القيم. فقد وصلني مؤخرًا هذا الرابط لمقطع يتضمّن صوت الفنان إبراهيم الصلال في مسلسل الأقدار وهو يروي قصة الساحر:
https://www.instagram.com/reel/DYKz1dXtGje/?igsh=OGV1czYzbTV5dmwz
أعجبني انسجام الصوت مع الحكاية وكيف أُعيد تقديمه بروح معاصرة تجمع بين الأصالة والوسيط الجديد. ومن هذا المنطلق، أرى أن توظيف مثل هذه الأفكار عبر أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصنع محتوى راقيًا يجمع بين القيمة والمتعة، ويحقق أثرًا نافعًا: محتوى يقدّم رسالة أخلاقية وفكرية، وفي الوقت نفسه يتيح لصاحبه موردًا مشروعًا عبر منصات التواصل. هكذا يمكن أن نعيد للحكاية روحها داخل زمن السرعة دون أن تفقد الحكمة وزنها.