لماذا يبدو أجمل؟
الحديث عن أعياد الطفولة بوصفها «الأجمل» يبدو، في ظاهره، حنينًا بريئًا، لكنه يقوم على افتراض غير دقيق: أن التجربة الإنسانية تُخزَّن كما حدثت، لا كما أُعيد تشكيلها لاحقًا.
تُظهر أبحاث علم النفس المعرفي أن الذاكرة ليست أرشيفًا محايدًا، بل عملية إعادة بناء مستمرة تتأثر بالحاضر بقدر ما تتأثر بالماضي. لذلك فإن ما نُسميه حنينًا ليس استرجاعًا لما كان، بل صياغة ذهنية لما نحتاج أن نفهمه عن أنفسنا الآن.
في الطفولة، كان العيد تجربة أولى في كل مرة: انتظار طويل بلا تفسير، تفاصيل صغيرة تبدو كاملة، ودهشة لا تحتاج إلى سبب. لم يكن الإدراك قد تشكّل بما يكفي ليحوّل اللحظة إلى عادة، ولا الوعي قد نضج بما يكفي ليعيد تأويلها. لذلك، كانت التجربة تُعاش قبل أن تُفهم.
وبالمناسبة.. جرّب أن تستحضر أول عيد تتذكره بوضوح، لا من حيث الأحداث، بل من حيث حضورك أنت داخله. ذلك الإحساس بأنك داخل شيء أكبر منك، دون أن تحتاج إلى تفسيره أو تنظيمه. أحيانًا يبدو أننا لم نكن ننتظر العيد بقدر ما كنا ننتظر النسخة الأولى من أنفسنا داخله؛ النسخة التي كانت تندهش دون مقاومة، وتستقبل كل شيء كما هو، دون طبقات من التوقع أو المقارنة.
اليوم تغيّر موقعنا داخل التجربة نفسها. لم نعد نتلقّى العيد، بل نديره. نخطط له، نرتّب تفاصيله، ونسبق حدوثه بالتوقع. ومع هذا التحول تضيق مساحة المفاجأة تدريجيًا، حتى لو بقيت المناسبة كما هي.
وتشير دراسات الذاكرة العاطفية إلى أن الإنسان لا يخزن الأحداث بوصفها وقائع، بل يخزن أثرها الشعوري. لذلك، قد تكفي رائحة أو صوت أو مشهد عابر لاستدعاء إحساس كامل يتجاوز تفاصيل الحدث نفسه، ويمنحه قوة أكبر من واقعه الأصلي.
من هنا لا يبدو الفرق بين «عيد الماضي» و»عيد الحاضر» فرقًا في الزمن، بل في طريقة التلقي. فالفرح لم يختفِ، لكنه أصبح أقل تلقائية وأكثر خضوعًا للتوقع والوعي المسبق.
وهكذا فإن ما نعتقد أنه فقدان لبريق الأعياد قد يكون في جوهره تحولًا في وعينا نحن. فالأعياد لا تفقد معناها، بل تتبدل علاقتنا بها. وما نشتاق إليه في النهاية ليس العيد ذاته، بل الطريقة التي كنا نكون بها داخله؛ حين كان العالم يُدهشنا قبل أن نفسّره، وحين كانت البهجة تحدث دون أن نطلبها أو نرتّبها.













