آخر تحديث: 30 / 5 / 2026م - 6:49 م

د. صادق العمران: ابن سينا العصر الذي سكن القلوب

هناك رجال يمرون في الحياة مرورًا عابرًا، وهناك رجال يتحولون إلى علامات مضيئة في ذاكرة الأوطان والناس، فإذا رحلوا بقي أثرهم حيًا لا يزول، وبقيت سيرتهم تتردد على الألسن جيلاً بعد جيل. ومن أولئك الأفذاذ الدكتور صادق عبد الله العمران، الذي لم يكن طبيبًا ناجحًا فحسب، بل كان مدرسة متكاملة في العلم والإنسانية والعطاء والوفاء.

الدكتور صادق العمران… سيرة علمٍ وإنسانيةٍ ووفاء:

لقد شهد له القاصي والداني برجاحة العقل وسعة الأفق وتنوع المعارف وغزارة العلم، فكان شخصية استثنائية يصعب حصرها في مجال واحد. فمن يلتقِ به طبيبًا وجده متابعًا لأحدث المستجدات الطبية العالمية، ومن يجالسه في حوار فكري وجده واسع الاطلاع في علم النفس والاجتماع والفكر والثقافة والدين، والرياضة، ومن يلجأ إليه طالبًا المشورة وجده حكيمًا بصيرًا يمتلك قدرة نادرة على تشخيص المشكلات واقتراح الحلول.

كان بحق نموذجًا للعالم الموسوعي الذي جمع بين العلم والمعرفة والحكمة والإنسانية، حتى استحق عن جدارة أن يطلق عليه محبوه لقب ”ابن سينا العصر“.

في محراب الذكرى:

في الثاني عشر من ذي الحجة عام 1438 هـ أغمضت الأحساء عينيها على خبر موجع، ورحل أحد أبنائها البررة الذين ملأوا الحياة نورًا وعطاءً.

لم يكن الحزن يومها حزن أسرة أو أصدقاء أو مدينة فحسب، بل كان حزن وطن كامل. فقد اجتاحت مشاعر الفقد مختلف مناطق المملكة، وتدفقت كلمات الرثاء والدعاء من كل مكان، وكأن الجميع شعروا أنهم فقدوا قريبًا أو أخًا أو صديقًا عزيزًا.

وفي تلك الليلة التي كانت فيها قوافل الحجيج تغادر مكة المكرمة بعد أداء المناسك، والناس يعيشون فرحة عيد الأضحى، جاء خبر الرحيل ليغمر القلوب بالحزن. غاب جسد الدكتور صادق العمران عن هذه الدنيا، لكن روحه بقيت حاضرة في ذاكرة من عرفوه وأحبوه.

لقد كان رحيله أشبه بأفول نجم أضاء سماء الإنسانية سنوات طويلة، ونضوب عينٍ كانت تتدفق بالخير والعطاء والإحسان.

الطبيب الذي سبق مهنته بإنسانيته:

كان الدكتور صادق العمران طبيب أطفال من طراز نادر، لكنه لم يكن ينظر إلى الطب بوصفه مهنة يتكسب منها، بل رسالة إنسانية يعيش من أجلها.

كان يرى في كل طفل ابنه، وفي كل مريض مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون واجبًا وظيفيًا.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يقطع إجازته في شهر رمضان، وهو صائم، ليشرف يوميًا على علاج طفلة ترقد في العناية المركزة بسبب فشل كلوي حتى تماثلت للشفاء.

ولم يكن غريبًا أن يستجيب لاتصال هاتفي بعد منتصف الليل من أب قلق على طفله، فيتابع الحالة بنفسه ويضع الخطة العلاجية ويتابع تفاصيلها حتى يطمئن على سلامة المريض.

لقد كان طبيبًا يعيش آلام مرضاه وكأنها آلامه الشخصية، ويشعر بمسؤولية عميقة تجاه كل من يلجأ إليه.

صانع البهجة في حياة الآخرين:

لم يكن الدكتور صادق يعرف معنى السعادة الشخصية المنعزلة، بل كانت سعادته الحقيقية في إدخال السرور إلى قلوب الآخرين.

كان يتألم لرؤية إنسان حزين أو محتاج أو مهموم، ولا تهدأ نفسه حتى يجد وسيلة لتخفيف معاناته.

وكان يرى المال وسيلة لخدمة العلم والإنسان، لا غاية للتفاخر أو الترف. ولذلك ارتبط اسمه بالعطاء الصامت والمساعدة الخفية وقضاء الحوائج.

حتى في أشد مراحل مرضه كان يفكر في الآخرين أكثر مما يفكر في نفسه، ويسعى إلى مساعدتهم رغم معاناته الصحية.

دموع الفرح والسائل الذهبي:

‏هذه من القصص التي سمعتها من د. صادق العمران رحمه الله

‏أم كان لدى طفلها فشل كلوي مزمن، وكان على غسيل كلوي، ثم تم عمل زراعة كلى ناجحة، في اليوم التالي للعملية، دخل د. صادق على الأم فرآها تبكي فرحا، فهذه المرة الأولى التي ترى فيها بولا للطفل «السائل الذهبي»؛ لقد نجحت العملية وبدأت الكلية بالعمل.

لقد كان الدكتور صادق العمران رحمه الله يرى في مهنته أكثر من مجرد تشخيص وعلاج، كان يعيش تفاصيل معاناة المرضى وأسرهم بكل مشاعره الإنسانية. وهذه القصة تختصر جانبًا عظيمًا من عالم طب الأطفال وأمراض الكلى؛ فذلك البول الذي قد يراه الناس أمرًا عاديًا كان بالنسبة لتلك الأم بشارة حياة جديدة لابنها، وعلامة نجاح رحلة طويلة من الألم والقلق والغسيل الكلوي والمعاناة.

حين رأى الدكتور صادق دموع الفرح في عيني الأم، لم يكن يشاهد مجرد نجاح عملية زراعة كلى، بل كان يشاهد انتصار الأمل على المعاناة، وانبعاث الحياة من جديد في جسد طفل أنهكه المرض. إنها لحظة إنسانية نادرة لا يدرك عمقها إلا من عاش تفاصيلها مع المرضى وأسَرهم.

ولعل هذه القصة تذكرنا بأن ما نعدّه أحيانًا أمرًا بسيطًا قد يكون عند غيرنا نعمة عظيمة تستحق الحمد والدموع. كما تكشف عن الوجه الإنساني المشرق للطب، وعن القلوب الكبيرة التي ترى في شفاء المرضى أعظم المكافآت وأجمل ثمار العطاء.

وضّاح: جرح إنساني ظل نازفاً في الذاكرة:

من القصص التي بقيت حاضرة في وجدان الدكتور صادق العمران رحمه الله قصة الطفل وضّاح، وهو طفل كان يعاني من فشل كلوي مزمن، وخضع لفترة طويلة لجلسات الغسيل الكلوي، وسط معاناة شاقة عاشها الطفل وأسرته على حد سواء.

وقد تابع الدكتور صادق حالته باهتمام بالغ، وسعى بكل ما يملك من جهد إلى البحث عن فرصة تمنحه حياة أفضل. وتم بالفعل تحويله إلى أحد المراكز المتخصصة في زراعة الكلى، وأثمرت الجهود عن العثور على كلية مناسبة من أحد المتبرعين، فارتسمت ملامح الأمل على وجوه الجميع، وبدأت الأسرة تترقب موعد العملية التي كانت تمثل بداية حياة جديدة للطفل.

لكن القدر كان يحمل أمرًا آخر.

ففي الأسبوع الذي سبق موعد إجراء عملية الزراعة، خرج الطفل وضّاح إلى الشارع، فتعرض لحادث دهس أليم أودى بحياته.

وكان الخبر صاعقًا على الجميع، ولا سيما على الدكتور صادق الذي عاش تفاصيل رحلة علاج الطفل وآمال أسرته. وقد اتصل والد وضّاح بالدكتور وأخبره بالحادثة ووفاة ابنه، فوقع الخبر على نفسه وقعًا شديدًا، وتأثر به تأثرًا بالغًا.

ولم تكن تلك الحادثة مجرد خبر حزين مرّ في حياته، بل بقيت جرحًا إنسانيًا عالقًا في ذاكرته. وكان رحمه الله يذكر قصة وضّاح مرارًا في مجالسه وأحاديثه، وكأنها لم تغادر وجدانه أبدًا.

لقد رأى في تلك القصة كيف يمكن أن تتبدل الأحلام في لحظات، وكيف أن الحياة والموت بيد الله وحده، مهما بلغت دقة التخطيط وبذل الإنسان من أسباب. كما كشفت هذه الحادثة عن قلبه الإنساني الكبير، فهو لم يكن يتعامل مع مرضاه كأرقام في ملفات طبية، بل كأبناء وإخوة وأفراد من أسرته الكبيرة، يفرح لفرحهم ويتألم لألمهم ويحمل همومهم في قلبه.

ولعل استمرار ذكره لهذه القصة سنوات طويلة بعد وقوعها يكشف مقدار الرحمة التي كانت تسكن قلبه، ومقدار ارتباطه الإنساني العميق بمرضاه. فبعض الأطباء يعالجون المرض، أما الدكتور صادق العمران فكان يعالج الإنسان، ولذلك بقيت قصص مرضاه محفورة في ذاكرته كما بقي هو محفورًا في ذاكرة من عرفوه وأحبوه.

ملاذ المحتاجين ورفيق المنكسرين:

امتلك الدكتور صادق حسًا اجتماعيًا استثنائيًا جعل الكبير والصغير يشعران بالقرب منه.

كان ملجأً للناس في أزماتهم، وملاذًا لمن أثقلتهم الهموم والمشكلات. ولذلك وصفه بعض محبيه بأنه ”حائط المبكى“، ليس لأنه يسمع الشكوى فقط، بل لأنه كان يسعى جاهدًا لحلها.

كان يرعى الأيتام، ويتابع الأسر المحتاجة، ويدعم المحتاجين بنفسه أو من خلال البحث عمن يساعدهم.

ومن المواقف التي تجسد عظمة إنسانيته أنه وهو في العناية المركزة وفي وضع صحي حرج، تلقى اتصالًا بشأن امرأة حامل تواجه مشكلة في أحد المستشفيات، فسارع إلى التواصل مع المختصين حتى حُلَّت المشكلة.

إنسانية بهذا العمق لا تُدرَّس في الجامعات، بل هي هبة إلهية تجلت في شخصيته.

وفاءٌ يمتد إلى ما بعد الرحيل:

كان الدكتور صادق وفيًا لأصدقائه وأحبابه بصورة نادرة.

لم ينسَ أصدقاءه الذين رحلوا عن الدنيا، وظل يجمع محبيهم لقراءة القرآن وإحياء ذكراهم، ويتابع أبناءهم وأسرهم، ويقف معهم موقف الأخ الوفي.

وكان يؤمن أن العلاقات الإنسانية الحقيقية لا تنتهي بالرحيل، بل تستمر بالدعاء والوفاء وحفظ الود.

عاشق المعرفة حتى آخر الأنفاس:

كان الدكتور صادق العمران قارئًا نهمًا لا يتوقف عن التعلم.

اشترك في العديد من المجلات الطبية العالمية المتخصصة في طب الأطفال، وكان يوزعها على زملائه وطلابه دون مقابل، إيمانًا منه بأن العلم رسالة ينبغي نشرها.

وقد أسهم خلال مسيرته المهنية في رفع مستوى العمل العلمي والإكلينيكي في المؤسسات التي عمل بها، وكان مرجعًا علميًا لكثير من الأطباء والمتدربين.

ولم يقتصر عطاؤه على الجانب الطبي، بل كان واسع الثقافة في مجالات الفكر والتاريخ وعلم النفس والاجتماع، مما جعله دائرة معارف متنقلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ومن المواقف المؤثرة التي تجسد شغف الدكتور صادق العمران بالعلم حتى آخر أيام حياته، أنني كنت قد أرسلت في إحدى المجموعات التي كان مشاركًا فيها مقالةً علمية حديثة في مجال طب كلى الأطفال. ورغم ما كان يمر به آنذاك من ظروف صحية بالغة الصعوبة وآلام شديدة أنهكت جسده، فقد قرأ المقالة باهتمام، وأبدى إعجابه بما ورد فيها، وتفاعل معها كما اعتاد دائمًا مع كل جديد في عالم المعرفة.

والأكثر تأثيرًا أن ذلك كان قبل ساعات قليلة فقط من وضعه على جهاز التنفس الصناعي، في واحدة من أصعب مراحل مرضه.

هذا الموقف يكشف جانبًا عظيمًا من شخصية الدكتور صادق العمران، ويعكس مدى ارتباطه بالعلم وحبه الصادق للمعرفة، فقد ظل عقله وقلبه معلقين بالبحث والتعلم ومتابعة المستجدات العلمية حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

لقد كان العلم بالنسبة إليه رسالةً وحياةً وشغفًا لا ينطفئ، ولذلك عُرف بين زملائه وطلابه بحرصه الدائم على الاطلاع، ومتابعته المستمرة لأحدث الدراسات والأبحاث الطبية، وإيمانه العميق بأن الطبيب الحقيقي لا يتوقف عن التعلم مهما بلغ من الخبرة والعلم.

رؤية إكلينيكية صنعت مدرسة تعليمية: حين يتحول سرير المريض إلى قاعة تعليم

‏من أجل تقديم خدمة أفضل للمرضى المنومين، وعندما كان د. صادق رئيسا لقسم الأطفال، أنشأ رحمه الله فكرة عمل دورة - قبل نهاية الدوام - على كل المرضى المنومين مع جميع الأطباء المناوبين والأطباء المقيمين في الوحدات الذين يتابعون أولئك الأطفال.

‏الدورة كانت تعمل قبل نهاية الدوام بساعة أو ساعة ونصف.

‏ما الجديد في هذه الدورة؟

‏هي أشبه ما تكون بما يعرف بالجولة الكبرى Grand Round

‏الدورة ليست فقط تعريف بالأطفال المنومين وما لديهم من مشاكل، بل كانت دورة تعليمية يتم فيها نقاش علمي حول الحالات تشخيصا وعلاجا بأدق التفاصيل.

‏وكانت الدورة عملية تجرى عند سرير الطفل، إذا لم تكن مجرد إخبار عن حالة، بل تقييم حي وعملي عن قرب.

‏وقد كانت عملا يستحق الإشادة، حيث كان الدكتور صادق ومن خلال رؤيته الإكلينيكية العميقة يوجه بعمل تحليل معين، أو التفكير في تشخيص معين لم يتم الانتباه إليه من سابقا قبل الطبيب المعالج.

‏والهدف من هذه الدورة هي أن يكون الأطباء على دراية بالحالات المنومة، وذلك كي يتم متابعتها عن معرفة، منعا لحدوث أي تدهور أو مضاعفات مفاجئة.

‏فهذه الدورة كانت مفيدة للأطفال المنومين وكذلك للأطباء المناوبين والمتابعين للحالات بما يفيضه عليهم د. صادق من إضاءات إكلينيكية قيمة.

بصمات لا تُنسى في مسيرة العدالة:

امتدت علاقة الدكتور صادق العمران بنادي العدالة لأكثر من خمسة عشر عامًا، شغل خلالها عدة مناصب إدارية، كان أبرزها منصب نائب رئيس النادي.

وقد ترك بصمات واضحة في مسيرة النادي من خلال أفكاره التطويرية ورؤيته المستقبلية ودعمه المستمر للأنشطة الرياضية والثقافية.

وكان يحمل مشروعًا طموحًا لتطوير النادي والارتقاء به إلى مستويات أعلى، إلا أن القدر لم يمهله لإكمال ما كان يحلم به.

الابتسامة التي هزمت الألم:

من أكثر الصفات التي أدهشت من حوله شجاعته وصبره أمام المرض.

فعندما اكتشف إصابته بالمرض، لم يسمح للخوف أو اليأس أن يتسللا إلى قلبه، بل كان يبعث الطمأنينة في نفوس من حوله.

ويروي المقربون منه أنهم ذهبوا ليواسوه ويشدوا أزره، فإذا به هو الذي يواسيهم ويمنحهم الأمل.

لقد واجه المرض كما واجه الحياة كلها؛ بقلب مؤمن ونفس مطمئنة وابتسامة لا تغيب.

وداع يليق برجل استثنائي:

كان تشييع الدكتور صادق العمران واحدًا من أكثر مشاهد الوفاء تأثيرًا.

فعلى الرغم من حرارة الجو وتوقيت التشييع المبكر، تدفقت الحشود الغفيرة لتوديع الرجل الذي عاش بينهم محبًا ومعطاءً.

ولم يكن المشهد مهيبًا بكثرة الأعداد فحسب، بل بصدق المشاعر التي ارتسمت على وجوه المشيعين، والدموع التي سالت من أعين المحبين.

لقد كان يومًا اجتمعت فيه القلوب قبل الأجساد، وتوحدت فيه المشاعر حول رجل جمع الناس بالمحبة والصدق والإحسان.

د. صادق العمران: ابن سينا العصر الذي علّم الناس كيف يعيشون وكيف يرحلون

لم يكن الدكتور صادق العمران مجرد طبيب ناجح أو إداري متميز أو مثقف واسع المعرفة، بل كان مشروع إنسانية متكاملًا. عاش للناس أكثر مما عاش لنفسه، وأعطى دون انتظار مقابل، وخدم دون أن يبحث عن شهرة أو ثناء.

رحل الجسد، لكن بقيت سيرته العطرة، وبقيت مواقفه النبيلة، وبقيت ذكراه حاضرة في القلوب التي أحبته، وفي النفوس التي لمسها بعلمه وإنسانيته ووفائه.

وهكذا رحل الدكتور صادق العمران، كما عاش، محبًا للعلم، مخلصًا له، مؤمنًا برسالته، تاركًا خلفه سيرةً مضيئةً ستبقى شاهدةً على أن عشق المعرفة يمكن أن يرافق الإنسان.

رحم الله الدكتور صادق العمران رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم وخير وإحسان في موازين حسناته، وأبقى ذكره الطيب شاهدًا على أن بعض

الناس وإن غابوا بأجسادهم فإنهم لا يغيبون عن القلوب أبدًا.


استشاري طب أطفال وحساسية