آخر تحديث: 28 / 5 / 2026م - 6:14 م

كل يوم هو عيد

مصطفى صالح الزير

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69]

تفتح هذه الآية المباركة باباً واسعاً للأمل والطمأنينة في قلب الإنسان؛ فهي تؤكد أن الطريق إلى الله ليس طريقاً يخلو من المجاهدة، بل هو رحلة مستمرة يجاهد فيها الإنسان نفسه، ويقاوم ضعفه، ويقوم بعد كل تعثر، ويحاول أن يكون أقرب إلى الله يوماً بعد يوم. ووعدُ الله في الآية وعدٌ عظيم: أن من صدق في سعيه إليه، هداه الله إلى سبل الخير والسكينة والنور، وأحاطه بمعيته وحفظه ورعايته وتوفيقه. فكل خطوة يخطوها الإنسان نحو الطاعة، وكل معركة ينتصر فيها على هوى النفس، تقرّبه من هداية الله وطمأنينته.

في أذهان الكثيرين، يرتبط العيد دائماً بالثياب الجديدة، والموائد العامرة، والتبادل البهيج للزيارات، والورود، والحلويات، والعيديات والتوزيعات. إنه باختصار: خروجٌ مبهج عن روتين الحياة المعتاد.

لكن خلف هذا البريق الخارجي، يكمن معنى أعمق وأبقى للعيد؛ معنى يصنعه الإنسان في أعماق ذاته، قبل أن تشكله المظاهر من حوله.

يروى عن الإمام علي بن أبي طالب أنه قال:«كُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّه فِيهِ فَهُوَ عِيد».

هذه العبارة الوجيزة تختزل فلسفة تربوية وروحية عظيمة؛ فهي تنقل العيد من مجرد ”مناسبة زمنية“ محدودة في التقويم، إلى ”حالة وجودية“ يعيشها الإنسان كلما اقترب من خالقه، وتسامى عن الذنب والخطأ.

إن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى حدث استثنائي ليشعر بالفرح الحقيقي؛ بل قد يكفيه:

قلب هادئ.

ضمير مطمئن.

روح خفيفة لم تثقلها المعاصي، والخصومات، والقلق الداخلي.

وكم من شخص يمتلك كل مظاهر البهجة والرفاهية، لكنه يعيش مغترباً في ضيق نفسي وتعب داخلي لا يشعر به أحد! وفي المقابل، كم من إنسان بسيط يرفل في سلام عجيب، فقط لأنه صالح نفسه، وربط حبال قلبه بحضور الله عز وجل، وذكره، وحبه.

إن المعصية لا ترهق الجانب البدني فحسب، بل تحجب نور الروح والبصيرة؛ فالذنوب المتكررة، والكلمات الجارحة، والظلم، والحسد، وسوء الظن؛ كلها أثقال تتراكم على القلب حتى يفقد الإنسان احساسه الفطري تجاه السكينة والهدوء.

بينما تمنح الطاعة الإنسان اتزاناً داخلياً وتناغماً مع الكون، وتجعله أكثر صلابة وأملاً في مواجهة تقلبات الحياة. ولأجل هذا، أنعم الله علينا بكتابه المبارك، وجعل لنا في تراث أهل البيت منبعاً صافياً يشحن القلوب والأبدان بالصحة والعافية، وينير البواطن المظلمة.

ولعل من أجمل المعاني الكامنة في كلمة الإمام أنها تفتح باب الأمل على مصراعيه:

فالعيد ليس حكراً على المعصومين من الخطأ، بل هو متاح لكل من يحاول، ولكل من يعود إلى الله بعد تعثره، ولكل مجاهد يطمح أن يكون اليوم أفضل مما كان بالأمس.

فأنت تصنع عيداً حقيقياً تشعر به الروح وإن لم تره العيون في الحالات التالية:

حين تكظم غيظك تعففاً عن إيذاء الآخرين.

حين تعفو وتصفح وأنت في قمة قدرتك على الرد.

حين تغلق باب الحرام إجلالاً لله رغم سهولة الوصول إليه.

حين تختار الصدق والأمانة والرحمة كمنهج حياة.

نحن نعيش في زمن مادي يتطلب منا إلحاحاً في إعادة تعريف الفرح الحقيقي بمنظور إلهي، لا بهوى النفس وتقلباتها. فالراحة الحقيقية هي أن ينام الإنسان بقلب خفيف، لا يحمل غلاً ولا ظلماً لأحد، ولا يشوب طمأنينته خوف الابتعاد عن الله.

إن أجمل الأعياد هي تلك التي تُولد في المحاريب الخفية داخل القلوب؛ حين يتصالح الإنسان مع ربه، ويعبده بحب، ويذكره بشوق، فيهدأ ضجيج روحه، ويستشعر المعية الإلهية التي تحرسه وترعاه.

فاجعل - أيها القارئ المبارك - من أيامك أعياداً متجددة؛ لا بكثرة المناسبات والمظاهر، بل:

بقربك من الله.

بنقاء سريرتك.

بطيب أثرك بين الناس.

حتى تغدو أنت بنفسك عيداً يحلّ على هذا العالم في كل عام.

والحمد لله رب العالمين.