قيم مفقودة
في ظل ما تعيشه البشرية من أزمات متسارعة، وصراعات متكررة، وحروب أكثرها بفعل فاعل، تذهب من جرائها ليس فقط الموارد البشرية وتردي الأوضاع الاقتصادية، بل تتعداها إلى أن تعيش البشرية المعذبة، وليس مبالغة، ما يصل بعضها إلى جرائم حرب تذهب بسببها الأنفس البريئة، وما تخلفه ذهاب تلك الأنفس من حالات اجتماعية مؤلمة وأوضاع مأساوية حرجة، يُغض الطرف عن أنين المعذبين المنادية بالنظر إليها بعين الرحمة والإنسانية. «إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم»، لكن المخاطَب ميت القلب، منزوع الرحمة، يفتقد روح الإنسانية، فلا يوجد رادع ديني، ولا خوف من قانون، ولا وازع أخلاقي.
أنعمت الشرائع السماوية على البشرية قوانينَ ربانيةً لصيانة حياة الفرد مهما اختلفت دياناته أو مذاهبه أو لونه، وأعطت أهميةً وأبعادًا وقيمةً، وهي تكريس العدالة بشكل عام لحماية الفرد والمجتمع والعالم بشكل أعم؛ فالعدالة ليست محصورة في جانب واحد من حياة الإنسان، أو لجماعة معينة دون سائر البشر، بل تشمل الجميع بالنواحي الاجتماعية والحياتية، وتُعَدّ، لأهميتها وعظمة شأنها، ميزان الله سبحانه وتعالى الذي وضعه للخلق ونصبه للحق وإقامة العدل وأداء الحقوق في كل زمان ومكان. هذا ما اجتمعت عليه الديانات، وما اتفق عليه كثيرون من الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس، مع جميع اختلافات تعريفهم وتعدد معاني مفهوم العدالة. تاريخ طويل عابر للثقافات والحضارات، مع كل الاختلافات، رسم واقعًا يوجد فيه بارقة أمل من أجل إنقاذ وتصحيح المسار العالمي؛ منهم من ربطه بالأخلاق، ومنهم بالفضيلة وغيرها من مكارم الأخلاق. كُتب عنها الكثير، وآلاف من النظريات، وتحدث عن وجودها مطولًا، تبين أهمية العدالة لحياة أفضل لإنسانيةٍ معذبة من أهوال الحروب وما ينتج عنها من تدمير للبنية الاجتماعية والاقتصادية، ومخلفاته النفسية، وما تولده من كراهية وإرهاب ومخدرات وغيرها من المشاكل المبتلى بها. فكم من الضحايا ذهبت أرواحهم في غياب العدالة، خلفوا من ورائهم أرامل وأيتامًا وحالات من البؤس من أجل تنفيذ أجندات عالمية خاصة تغيب مبدأ العدالة، أو يتم العمل باسم العدالة بازدواجية. الكرة اليوم في ملعب من لا يرحم، بقوته وجبروته، ينتهك حقًا من حقوق الإنسان في أن يعيش تحت ظل عدالة تحميه، وأن يعيش في أمن وأمان.













