آخر تحديث: 28 / 5 / 2026م - 6:14 م

إهداء إلى جيراني الأعزاء وذكريات الزمن الجميل

محمد الصغير

تمر العلاقات الإنسانية بمراحل متعددة تبدأ منذ ولادة الإنسان، وتستمر معه حتى مراحل العمر المتقدمة، ففي سنوات الطفولة الأولى تكون علاقة الطفل محدودة بوالديه وإخوته وأخواته، حيث تمثل الأسرة عالمه الصغير الذي يعيش فيه كل تفاصيله اليومية، ومع التقدم في العمر يبدأ هذا العالم بالاتساع شيئًا فشيئًا، خاصة بعد دخول المدرسة والتعرف على زملاء الدراسة.

وفي تلك المرحلة تبدأ ملامح الصداقة بالظهور؛ إذ يميل الإنسان بطبيعته إلى الأشخاص الذين يشعر معهم بالراحة النفسية والتقارب الفكري، حتى وإن لم يكن مدركًا لذلك بشكل واضح في البداية، ثم مع مرور السنوات يصبح أكثر قدرة على معرفة الشخصيات القريبة من نفسه والأكثر انسجامًا مع طباعه وتفكيره، فتتكون صداقات قد تستمر لعشرات السنين، وربما تبقى مدى الحياة.

ورغم تعدد العلاقات التي يمر بها الإنسان، تبقى هناك صداقات لها طابع خاص لا يشبه غيرها، وهي صداقات الطفولة والجيران وأيام اللعب في الشوارع والحارات القديمة، حيث كانت الحياة أكثر بساطة، وكانت النفوس أكثر عفوية وبراءة، وكانت الأيام تمضي بخفة دون تعقيد أو تكلّف.

تلك المرحلة تحمل في داخلها ذكريات لا يمكن أن تُنسى مهما تقدم العمر؛ فقد كانت تجمعنا المواقف الجميلة والمغامرات الصغيرة والمواقف المضحكة التي ربما كانت تبكينا وقت حدوثها، لكنها اليوم أصبحت من أجمل الذكريات التي نستعيدها بابتسامة وحنين.

وكان لكل فصل من فصول السنة طقوسه الخاصة، ولكل لعبة موسم ننتظره بشغف، فمن الألعاب التي عشنا معها أجمل الأوقات لعبة التيلة والدوام وكرة القدم ولعبة «الوسلي» التي تعتمد على العصاتين الكبيرة والصغيرة، وكانت الشوارع تمتلئ بالأصوات والضحكات والتحديات البريئة التي لا تحمل سوى روح المحبة والتنافس الجميل.

كما لا يمكن نسيان مواسم الحبال والصيد، حين كنا نخرج جماعات مشيًا على الأقدام إلى خارج الأحياء السكنية بحثًا عن الطيور الموسمية، وكنا نستمتع بالطريق الطويل أكثر من متعة الوصول نفسها؛ حيث تملأ الأحاديث والضحكات تلك الرحلات البسيطة، وكانت روح الجماعة والمحبة تجعل التعب أمرًا لا نشعر به، وكأن الطريق جزء من متعة تلك الأيام الجميلة.

ومهما تغير الزمن وتبدلت الحياة، تبقى تلك الأيام حاضرة في الذاكرة؛ لأن الإنسان لا ينسى البدايات الجميلة، ولا ينسى الأشخاص الذين شاركوه تفاصيل طفولته البسيطة، فكل لقاء مع أحد رفاق تلك المرحلة يعيد إلى القلب شيئًا من دفء الماضي، ويوقظ في النفس شعورًا جميلًا لا يمكن وصفه بالكلمات.