الاجتماعات التي تقتل الإنتاجية… كيف تحولت بعض بيئات العمل إلى ”دوامة كلام“؟
في كثير من الشركات اليوم يبدأ الموظف يومه باجتماع صباحي، ثم اجتماع متابعة، ثم اجتماع تحديث، ثم اجتماع ”عصف ذهني“، لينتهي اليوم دون إنجاز حقيقي يُذكر. والمفارقة أن بعض المؤسسات أصبحت تقيس الجدية بعدد الاجتماعات، لا بحجم النتائج.
هذه الظاهرة تحولت عالميًا إلى واحدة من أكثر المشكلات الإدارية تأثيرًا على الإنتاجية، خصوصًا في بيئات العمل التي تخلط بين ”إدارة العمل“ و”الانشغال بالعمل“، فهناك فرق كبير بين شركة تعمل فعلًا، وشركة تبدو مشغولة طوال الوقت.
بحسب دراسة منشورة عبر Harvard Business Review فإن الموظفين يقضون جزءًا ضخمًا من وقتهم الأسبوعي داخل اجتماعات كثيرة منخفضة القيمة، ما يؤدي إلى الإرهاق الذهني وتراجع التركيز والإبداع. كما تشير تقارير Microsoft Work Trend Index إلى أن كثرة الاجتماعات والمقاطعات الرقمية أصبحت من أكبر أسباب انخفاض الإنتاجية في بيئات العمل الحديثة.
المشكلة ليست في الاجتماعات نفسها، فهي أداة مهمة للتنسيق واتخاذ القرار، لكن الخلل عندما تتحول إلى ”ثقافة إدارية“ قائمة بذاتها، بعض الإدارات تعقد اجتماعات طويلة لأمور يمكن حسمها برسالة بريد إلكتروني، أو تجمع عشرات الموظفين في نقاش لا يخص سوى شخصين أو ثلاثة، والنتيجة النهائية: ساعات عمل مهدرة، وموظفون مستنزفون، وقرارات تتأخر أكثر مما تتسارع.
الأثر الاقتصادي لهذه الظاهرة أكبر مما يبدو، فالوقت الضائع داخل الاجتماعات يعني تكلفة مالية مباشرة تدفعها الشركات دون عائد حقيقي، تخيل اجتماعًا يضم 10 موظفين لمدة ساعتين دون نتيجة واضحة؛ الشركة هنا لا تخسر وقتًا فقط، بل تخسر إنتاجية ورواتب وفرص إنجاز كان يمكن تحقيقها خلال تلك الساعات.
الأخطر أن ثقافة الاجتماعات المفرطة تقتل الموظف المبدع تحديدًا، لأن الموظف المنتج يحتاج وقتًا عميقًا للتركيز والتفكير، بينما كثرة الاجتماعات تقطع هذا التدفق الذهني باستمرار، ولهذا بدأت شركات تقنية عالمية تقلل الاجتماعات عمدًا، وتخصص أيامًا كاملة بلا اجتماعات لتحسين الأداء والتركيز.
وفي المقابل لا تزال بعض بيئات العمل العربية تربط بين كثرة الاجتماعات و”الاحترافية“، حتى أصبح الموظف الذي يقضي يومه في الاجتماعات يبدو أكثر أهمية من الموظف الذي ينجز فعليًا، وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: عندما يصبح ”الظهور الإداري“ أهم من الإنتاج الحقيقي.
السعودية اليوم تتحرك نحو اقتصاد السرعة والكفاءة والابتكار، وهذه المرحلة تحتاج إلى مؤسسات مرنة وسريعة القرار، لا مؤسسات تستنزف طاقاتها في دوائر نقاش لا تنتهي، فالإنتاجية الحديثة لم تعد تقاس بعدد ساعات الاجتماعات في المكتب، بل بقدرة الشركة على تحويل الوقت إلى قيمة.
السؤال الذي يجب أن تسأله الشركات اليوم ليس: ”كم اجتماعًا عقدنا هذا الأسبوع؟“ بل: ”كم إنجازًا خرج من كل هذه الاجتماعات؟“













