آخر تحديث: 25 / 5 / 2026م - 9:19 م

عرفة… المسافة بين الإنسان ونفسه

نازك الخنيزي

ليست بعض الأيام مجرّد عبورٍ في الزمن، إنما لحظات تتغيّر فيها علاقة الإنسان بنفسه، ويبدو العالم خلالها أقل صخبًا مما اعتاد أن يكون. ويوم عرفة واحد من تلك الأيام التي لا تمرّ على الروح مرورًا عاديًا؛ لأن حضوره لا يُقاس بالساعات، بل بما يوقظه في الداخل من أسئلةٍ مؤجلة، وصدقٍ نادر، وشعور خافت بأن الإنسان يقف أخيرًا أمام حقيقته دون وسطاء.

هناك، تحت شمس واحدة، وعلى أرضٍ واحدة، تتلاشى تلك الفوارق التي أمضى البشر أعمارهم في تضخيمها. لا يعود للاسم بريقه المعتاد، ولا للمنصب سلطته، ولا للمال ذلك الوهج الذي يفرض حضوره في الحياة اليومية. الجميع يرتدون البياض ذاته؛ بياضًا يبدو أقرب إلى تذكير عميق بحقيقة الإنسان الأولى: أنه يأتي إلى العالم خفيفًا من كل شيء، ويرحل منه خفيفًا من كل شيء، وأن ما يبقى فعلًا ليس ما يصنعه الإنسان حول نفسه، بل ما يصير إليه قلبه في النهاية.

لهذا لا يبدو لباس الإحرام مجرد هيئة دينية، بل لحظة تجريد كاملة. كأن الإنسان يخلع، مع ثيابه المعتادة، تلك النسخ التي صنعها طويلًا ليقنع العالم بأنه أكثر قوةً واكتمالًا مما يشعر في أعماقه. وفي عرفة، تسقط هذه الأقنعة بهدوء مهيب، ليبقى الإنسان في صورته الأكثر هشاشةً والأكثر صدقًا في آنٍ واحد.

وربما لهذا يحمل الوقوف في عرفة كل هذا العمق. فالإنسان يقضي عمره وهو يركض؛ يلاحق أهدافه، يخشى خساراته، ويؤجل مواجهة نفسه كلما استطاع. ثم يأتي هذا اليوم ليعيد إليه معنى التوقف. لا بوصفه سكونًا جسديًا فقط، بل بوصفه مواجهة داخلية طويلة؛ كأن الروح، بعد كل هذا الضجيج، تحتاج أخيرًا أن تجلس قبالة نفسها دون أن تهرب.

وسط ملايين البشر، يعيش كل إنسان عزلته الخاصة مع الله. والمفارقة أن هذا الزحام الهائل لا يصنع الضوضاء المعتادة، بل يفتح مساحة عجيبة من الإنصات الداخلي. هناك من يكتشف لأول مرة مقدار التعب الذي أخفاه عن العالم، ومن يدرك أن قلبه امتلأ بأشياء لا تشبهه؛ قسوة تراكمت بصمت، خصومات قديمة، وخيبات تحولت مع الوقت إلى طبقة ثقيلة فوق الروح.

وفي المقابل، ثمّة من يكتشف أن الرحمة ما زالت ممكنة، وأن القلب، رغم كل ما مرّ به، لم يفقد قدرته على الرجاء.

حتى الدموع في عرفة تبدو مختلفة. لا تنهمر دائمًا من الحزن، بل من ذلك الشعور الغامض بأن الروح اقتربت أخيرًا من حقيقتها. كأن الإنسان، بعد أعوام من الانشغال بالعالم، يسمع صوته الداخلي بوضوح للمرة الأولى. ولهذا يصبح الدعاء هناك أقرب إلى انكشاف كامل؛ لا تخرج الكلمات من اللسان وحده، بل من طبقات بعيدة في الداخل، من أماكن لا يصل إليها الكلام العادي.

وحين ترتفع أصوات التلبية، لا تبدو مجرد ترديد جماعي لعبارة محفوظة، بل إعلانًا عميقًا لتحرر الإنسان من كل ما استعبده طويلًا. ففي الحياة اليومية، تحاصر البشر نداءات لا تنتهي؛ نداء الخوف، والمكانة، والمقارنة، واللهاث خلف ما يظنون أنه سيمنحهم الاكتمال. لكن في عرفة، تتراجع تلك الأصوات كلها، ويبقى نداء واحد فقط. ولهذا تبدو التلبية أقرب إلى عودة الإنسان إلى مركزه الأول، قبل أن تشتته الحياة في اتجاهاتها الكثيرة.

وفي هذا المشهد الهائل، تتحقق مساواة نادرة يعجز العالم عن صنعها خارج هذه الأرض. يقف الغني بجانب الفقير، والمشهور بجانب المجهول، ومن اعتاد أن يُسمَع صوته بجانب من لم يسمعه أحد يومًا. لا أحد يملك امتيازًا حقيقيًا هنا، لأن الجميع يقفون بالحاجة ذاتها، والرجاء ذاته، والهشاشة ذاتها. كأن عرفة يذكّر البشر، ولو ليوم واحد، أن جوهر الإنسان أعمق بكثير من كل التصنيفات التي أنهكت العالم.

حتى الزمن هناك يبدو مختلفًا. الساعات لا تمرّ بالطريقة المعتادة، بل تتسع على نحو غريب، حتى يشعر الإنسان أن عمره كله صار مرئيًا دفعة واحدة. تمرّ الذكريات، والانكسارات، والأحلام المؤجلة، والأخطاء التي حاول نسيانها، والأشياء التي كان ينبغي أن يقولها ولم يفعل. وكأن الروح، في تلك الساعات القليلة، تعيش مراجعة هادئة لعمرٍ كامل.

ثم يأتي الغروب.

لا بوصفه نهاية يومٍ عابر، بل كأن شيئًا ما في الداخل قد تبدّل فعلًا. يفيض الحجيج نحو المزدلفة، بينما يبقى في أرواحهم أثر يصعب تفسيره؛ خفة غامضة، وسكينة لا تشبه السكينة المعتادة، وشعور بأن الإنسان يمكنه دائمًا أن يبدأ من جديد، مهما أثقلته الحياة.

ولهذا لا تنتهي عرفة بانتهاء الحج. فالقيمة الأعمق لهذا اليوم أنه لا يظل محصورًا في الجغرافيا، بل يتحول إلى معنى قابل للحياة في أي زمان ومكان. إذ يملك كل إنسان لحظته الخاصة التي يقف فيها أمام نفسه، يعترف بتعبه، ويراجع فوضى قلبه، ويحاول أن يعود أنقى مما كان.

وربما لهذا يبقى يوم عرفة أحد أكثر الأيام قدرةً على تذكير الإنسان بحقيقته البسيطة:

أن الروح، مهما ابتعدت في طرق العالم، تظل تبحث عن طريق يعود بها إلى نفسها.