أذن موسيقية ومواهب محلية
”صوت المغنية المصرية الشهيرة أم كلثوم أكبر مقلب شربته الأذن العربية“، وإن ”صوت المغنية أم كلثوم المصرية من دون ألحان لا يُطرب“، هذا ما صرح به الشاعر الناقد عبد المجيد الزهراني في صحيفة سراة الإلكترونية. فهل أذنك، عزيزي القارئ، موسيقية متذوقة أم تميل إلى استماع ما يمتدحه أغلب الجمهور أو ما يتماشى مع الهَبّات والترندات، أو يحدد توجهك ما تسمعه من النقاد، أم تُفعّل ذائقتك الشخصية كما ذائقتك العقلية!
يبدو لي أن أفلام السينما، وألحان الموسيقى، والمؤثرات الصوتية، والغناء، وألوان الطرب، والبودكاستات، حيث تشتعل وتروج من خلال منصات التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارًا في عالم اليوم، نجحت نجاحًا باهرًا في تشكيل أذواق وقناعات وأفكار وانفعالات وميول سمعية، وصنع آذان شباب الجيل الحالي والصاعد؛ وكل تلك الأدوات تصنع ما لا تصنعه الكثير من الكتب والندوات والمنابر والجوامع والجامعات والخُطَب والحِكَم والنصائح. على سبيل المثال، أتذكر سرعة انتشار أغنية ”صبوحة خطبها نصيب“، وأغنية ”دي دي واه“، وأغاني فرقة بوني أم الغربية ذات الإيقاع الموسيقي السريع، وانتشار أنشودة ”يا طيبة … يا طيبة“، وأنشودة ”سلام يا مهدي“، وبكائية ”أخاف من اعوفك بعد ما اشوفك“ … إلخ، وحديثًا ترند الأغنية الكردية ”كورمانجي - هاري كوله / Kurmanci here Gule“، والكثير الكثير غيرها.
لكل حالة نفسية للإنسان ميلٌ نحو تذوق صوت أو لحن أو كلمات قصيدة يتناسق مع شجون الفرد وأفكاره وخلجات قلبه ومشاعره في تلك اللحظة. فقد يتعلق بعض العُشاق بسماع صوت كاظم الساهر في أغنيته ”زيديني عشقًا زيديني…“. وقد يتعلق محب بسماع أغنية محمد عبده ”مجرد إنسان“ أو أغنية ”هيهات أنساك وأنت ساكن وجداني“، وشخص آخر متحمس في أحداث معينة يتعلق بسماع أنشودة وطنية، أو تطرب أذنه لإيقاع موسيقى تصويرية؛ تذكره بأحداث معينة، أو يبحث عن هدوء بعد ضجيج عبر سماع سمفونيات موزارت وبيتهوفن، أو سماع طور حزين لإنشاد قصيدة لرادود عراقي مميز، مثال ذلك: ”يُمّه ذكريني من تمر زفة شباب“ … إلخ.
ويمتد سماع البعض ومشاهداتهم عبر المحيطات والقارات؛ ليرى أن المغترب العربي من شمال أفريقيا متعلق بسماع أغنية ”مع السلامة“.
أو يرى أن المغترب العربي من الشرق الأوسط متعلق بسماع أغنية بصوت فيروز اللبنانية.
ولو كنت، أخي القارئ، عالميًا في تجوالك الإنساني، للمست ذات الأمر في المغترب الصيني المهاجر لمدينة سيدني، أو المغترب البرازيلي في مدينة نيويورك، أو المغترب الياباني في مدينة لوس أنجلوس، أو المغترب الفرنسي في مدينة تورونتو؛ حيث تجد كل منهم متعلقًا بسماع أغنية …. بصوت.. «مغنٍ أو منشد من بلده الأصلي».
ومن زاوية أخرى كذلك، تسمع المفجوع بفقد عزيز في أي بلد قد يستمع إلى دعاءٍ بصوت قارئ رصين، أو يستمع لشيء من القرآن الكريم بصوت قارئ معين، أو يستمع قصائد نعي بصوت رادود مميز.
بالمجمل، تبدل أحوال وظروف ذات الإنسان قد تغير هيامه ومزاجه، فيميل إلى تفضيل سماع أطوار وسلالم وإيقاعات موسيقية مختلفة ومتعددة تتفق وذوقه ومشاعره ومزاجه في تلك اللحظة؛ وتارة يستمع إلى إنشاد أو موسيقى حزينة، وتارة أخرى يستمع لما اعتاد ووطن نفسه على سماعه، وتارة يستمع ما يراقص به بدنه. فالاستماع عند البعض عبادة، وعند البعض لهو، وعند البعض طرب وأنس، وعند البعض ترويح عن النفس، وعند البعض فن وذوق، وعند البعض ابتذال وتمايل، وعند البعض استفزاز ومناكفة!
منطقة الشرق الأوسط تُصنف على أنها ”منطقة وحل“ لكثرة الحروب فيها. فهي منطقة توترات وصراعات، كما تصفها بعض الصحف الغربية. فأضحى معظم سكان بعض المناطق يألفون أصوات الطائرات الحربية، وتغطيات الأخبار الحربية، ويسمعون أصوات أنين الأطفال، والأعمال الحربية، والدرونات، والقذائف. وفي ذات الوقت، تضم منطقة الشرق الأوسط مجموعة كبيرة من القراء المميزين للقرآن، ومنشدين ومطربين من ذوي طبقات الصوت المتعددة والمميزة والجميلة جدًا. ففي دول مثل العراق «كاظم الساهر»، والكويت «عبد الكريم عبد القادر»، والسعودية «محمد عبده»، ولبنان «فيروز»، واليمن، ومصر «أم كلثوم / عبد الحليم حافظ / شيرين … إلخ»، والجزائر «وردة الجزائرية».. شواهد على أن الصوت ما زال يصدح بمحتوى مختلف.
بالمجمل، الصوت الشجي والجميل يجذب عددًا كبيرًا من المستمعين؛ ويشد البعض عند الإنصات له إلى حد الانغماس والتركيز والتفاعل عبر الترديد لذات الكلمات الشعرية / الآيات المسموعة. على سبيل المثال، أتذكر أن الإيقاع الصوتي لأغنية My Heart Will Go On للمغنية سيلين ديون الكندية في فيلم التايتنك الشهير أحدث جذبًا كبيرًا جدًا لبيع التذاكر، وزاد عدد المشاهدين للفيلم، وبالتالي مبيعات شبابيك السينما في تلك الفترة جنى أرباحاً معتداً بها.
وهنا أُنبِّه الناشئة لرواية مهمة جدًا مروية على لسان الإمام محمد الجواد
، أحد أحفاد الرسول ﷺ، ونصها: ”من أصغى إلى ناطق فقد عبده؛ فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس“.
شخصيًا أسمع أصوات قراء للقرآن الكريم، وقراء دعاء، ومنشدين عدة من دول مختلفة، ومقاطع موسيقية عالمية وعربية ممن ينشدون شعرًا عذبًا يتضمن معاني هادفة وإنسانية راقية؛ وجملةً اعتراضيةً، فمنذ فترة بعيدة، ولهبوط مستوى وكلمات الأغاني وإيحاءاتها المبتذلة، فإني لا أستمع لأي مغنٍ أجنبي أو عربي. وللحق، بعض أولئك القراء والمنشدين وُفِّق في الأداء بشكل متذبذب، وآخرون وُفِّقوا توفيقًا مميزًا وبشكل مستمر وأسطوري في الأداء والانضباط، وهم القلة. الأستاذ أحمد الفتلاوي قد يكون أحد أولئك القلة.
طبقات الصوت ونقاؤه، وضبط الوزن والإيقاع الموسيقي للأصوات الحرفية، وإعطاء المخارج الصوتية حقها، وعدم التكلف، أمور تفرض الإعجاب وتلين القلب، سواء كان الأداء بصوت قارئ أو شاعر أو رادود أو مُنشد.
ولعل أشهر أنشودة رائجة حاليًا، والتي أخذت نطاقًا كبيرًا من التفاعل معها من قبل بعض أبناء الجيل الحالي، هي أنشودة: ”سيدي واقف أنا ببابك يا من كلك حنان“ للمنشد حسن الأميري. وتجاوزًا عن عمل قائمة طويلة تشمل كل الأسماء، فإن صاحب الأذن الموسيقية الراقية انتقائي بشكل لافت وخارج صفوف الهَبّات من الناس، مع كامل الالتفات للمضمون وليس للإيقاع الموسيقي.
لكل من رزقه الله صوتًا جميلًا وحنجرة ذهبية، أدعوه أن يسعى بكل ثقله لاستكشاف مواهبه وتطويرها وتنميتها، والمشاركة الاجتماعية والدينية بها، سواء بقراءة قرآن، أو الصدح بالأذان، أو قراءة دعاء، أو الإنشاد في تجمع أسري، أو الإنشاد في حفلات الزفاف. وأُناشد إداريي دور العبادة والأهالي بإتاحة الفرص لتبني تلك المواهب الرصينة.














