الاستفراد بالمشهد
في كل مجتمع، يظهر بين حينٍ وآخر من يحاول تجاوز المألوف وكسر الحواجز التي اعتاد الناس الوقوف عندها، وهذا بحد ذاته ليس أمرًا مذمومًا دائمًا. الإشكال يبدأ حين لا يكون الدافع هو تطوير المكان أو خدمة الفكرة المشتركة، بل إثبات الحضور بأي صورة ممكنة، ولو على حساب الآخرين. بعض الأشخاص لا ينظرون إلى وجود الآخرين بوصفه إضافة تُغني المكان، بل يشعرون، أن بروز الآخرين ينتقص من حضورهم الشخصي. لذلك يحاولون احتكار المساحة أو الأدوار، وكأن التميز لا يتحقق إلا إذا خفتت أصوات من حولهم. من هذه السردية يتضح لنا أن الإنسان المتوازن يرى نجاح الآخرين وتنوع قدراتهم عنصر قوة للمكان كله، بينما الشخص الذي تحركه الرغبة في الاستفراد قد يتعامل مع أي حضور آخر وكأنه تهديد غير مباشر لمكانته أو صورته أمام الناس.
اليوم لم يعد الدافع لدى البعض هو خدمة المكان أو دعم الأعمال المشتركة، بل صناعة مساحة خاصة يفرض فيها نفسه باعتباره الصوت الوحيد، أو الواجهة الوحيدة، حتى وإن لم يكن يمتلك المقومات الكافية للقيام بكل ما يتصدر له. ومع الوقت، يصبح الهدف الخفي ليس نجاح العمل الجماعي، بل البقاء في دائرة الضوء بأي طريقة ممكنة.
المشكلة لا تتعلق فقط بالشخص الذي يسعى للاستفراد بالمشهد، بل بالبيئة التي تسمح تدريجيًا بحدوث ذلك. حين يغيب التوازن، ويُختزل العمل في أشخاص محددين، تبدأ الطاقات الأخرى بالانسحاب بصمت. بعضهم ينسحب لأنه لا يحب الصدام، وبعضهم لأنه يشعر أن مجهوده لن يُقدّر أصلًا، وآخرون لأنهم أدركوا أن المساحة لم تعد قائمة على التكامل، بل على التنافس الخفي لإثبات الحضور.
ومع الوقت، يخسر المجتمع شيئًا مهمًا جدًا، وهو ”تنوع العطاء“. لأن الأعمال التي تقوم على المتطوعين لا تزدهر بمهارة واحدة، ولا بصوت واحد، ولا بشخص يظن أنه قادر على احتكار كل الأدوار. فلكل إنسان قدرة مختلفة، وطريقة مختلفة في الإسهام، والمكان الصحي هو الذي يعرف كيف يستفيد من هذا التنوع، لا أن يلغيه لصالح فردٍ واحد يريد أن يكون كل شيء في آنٍ واحد.
الأخطر من ذلك، أن بعض الناس يخلط بين المبادرة وحب السيطرة. فالمبادرة الحقيقية لا تحتاج إلى تهميش الآخرين حتى تثبت وجودها، ولا ترى في كل موهبة جديدة تهديدًا يجب إبعاده. الإنسان المبادر الواثق يدرك أن قيمة العمل الجماعي لا تكتمل إلا بتعدد الطاقات وتكامل الأدوار. كما أن احترام البروتوكولات الاجتماعية لا يعني الجمود أو التقديس الأعمى للعادات، بل يعني الحفاظ على الحد الأدنى من الذوق، والإنصاف، والتوازن الذي يمنع تحول البيئات المشتركة إلى ساحات استعراض فردي. فحين يغيب هذا الإدراك، يصبح العمل التطوعي أقرب إلى منافسة شخصية خفية، لا إلى رسالة جماعية هدفها الإرتقاء وخدمة الناس.
المجتمعات الواعية لا تُقصي ولا تحارب أصحاب المبادرات، لكنها في الوقت ذاته لا تسمح بتحويل المبادرة إلى احتكار، ولا الحضور إلى استحواذ، ولا الثقة المبالغ فيها إلى تعالٍ على الآخرين. لأن البيئة التي لا تتسع للجميع، ستتحول مع الوقت إلى مساحة ضيقة يختفي منها الإبداع الحقيقي، وتبقى فيها الضوضاء أكثر حضورًا من الأثر.
في النهاية، لسنا بحاجة إلى أشخاص ينتصرون لأنفسهم بقدر حاجتنا إلى أشخاص ينتصرون للفكرة، والمؤسسة، والناس الذين يشاركونهم الطريق. فالمؤسسة التي تُبنى على التعاون تبقى، أما المؤسسة التي تُدار بعقلية الاستفراد، فمهما بدت تعج بالحركة، تبقى هشّة من الداخل، لأن ما يقوم على إلغاء الآخرين لا يصنع مجتمعًا متوازنًا ومستقرًا.













