آخر تحديث: 20 / 5 / 2026م - 7:40 ص

عندما يصبح الرِّفق رزقًا خفيّاً

مصطفى صالح الزير

قبل أن نبدأ من واقعنا اليومي، يلفت القرآن نظرنا إلى أصل عجيب في التعامل، جاء في خطاب موجه إلى نبيين عظيمين أرسلا إلى أعتى طاغية عرفه التاريخ:

﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 43-44]

تأمل هذا المشهد: فرعون، رمز الطغيان، مدعي الألوهية، الذي قال: «أنا ربكم الأعلى»؛ ومع ذلك، لم يكن الخطاب الإلهي لموسى وهارون عليهما السلام أن يشتدا عليه، أو أن يواجهاه بالقسوة، بل: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا .

كأن القرآن يضع قاعدة لا تتبدل: حتى في أقسى البيئات، ومع أشد الناس انحرافًا، يبقى الأصل في الدعوة والتعامل هو اللين، لا الغلظة.

وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة صادقة: كيف بنا نحن في بيوتنا، مع أهلنا، وأصدقائنا، وزملائنا؛ نبرر الشدة، ونقول: ”إن لم أشتد في قولي لن يستمع لكلامي أو لن يستجيب أحد لأوامري!“، بينما الله سبحانه يأمر باللين مع فرعون نفسه؟!

بل إن سيرة أهل البيت في مجموعها العام، قائمة على اللين والرفق والعطف والحلم، حتى مع من يسيء إليهم أو يؤذيهم.

فقد كانوا يقابلون الإساءة بالإحسان، والجهل بالحلم، والأذى بالصبر، بل يصل بهم المقام إلى العفو عمن يشتمهم، والصفح عمن يؤذيهم، ومقابلة السوء بالدعاء والهداية، لا برد الفعل والانفعال.

وهذه ليست حالات استثنائية عابرة، بل هي الروح الغالبة في منهجهم وسلوكهم ؛ حيث يكون الرفق هو الأصل، واللين هو القاعدة في التعامل مع الناس مهما كانت قسوتهم أو إساءتهم.

هنا تبدأ المفارقة عند بعض البشر عندما يتعاملون مع أقرب الناس إليهم: أهل، وأبناء، وأصدقاء، وزملاء بأسلوبٍ قاسٍ؛ والبعض يقنع نفسه بأن الشدة هي الطريق الوحيد للفهم، وأن رفع الصوت ضرورة للإقناع، وأن القسوة علامة قوة!

بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير:

ما يبنى بالانفعال لا يستقر، وما يفتح بالرفق يبقى.

القرآن لا يقدم الرفق كخيار أخلاقي تجميلي، بل كمنهج حياة:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: 83]

كلمة تقال لكنها تهذب قلبًا قبل أن تخاطب سمعًا.

ثم يرتقي الخطاب:

﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195]

لم يعد الأمر مجرد كلمة، بل سلوك يمارس، وأخلاق تجسد، وهدوء يتحول إلى نمط حياة.

ثم تأتي النتيجة الطبيعية لهذا المسار:

﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56]

كأن الرحمة ليست بعيدة بل تقترب كلما اقترب الإنسان من الإحسان في قوله وفعله.

بهذا التسلسل القرآني، تتضح معادلة دقيقة:

كلمة طيبة، إحسان في السلوك، قرب من رحمة الله.

في هذا الإطار، تتكشف الحياة على حقيقتها: ليست المعارك الكبيرة هي التي تصنع مصير الإنسان، بل ردود فعله الصغيرة المتكررة: كلمة في وقت غضب، نبرة في لحظة توتر، تصرف في موقف استفزاز، هناك يكتب الفرق بين إنسان يضيق على نفسه الحياة، وآخر يعيشها بسعة ووعي وهدوء.

هنا يظهر ”الرفق“ ليس كخلق إضافي، بل كقانون خفي يحكم النتائج.

يفتح بالرفق ما لا يفتح بالعنف؛ لأن العنف يضغط لكنه لا يبني، بينما الرفق يهدئ المسار حتى تستجيب له الحياة كلها بلطف إلهي عجيب.

وتتأكد هذه الحقيقة في التفاصيل اليومية: إنسان يملك ساعات قليلة، لكنه ينجز الكثير بهدوء واتزان وطمأنينة، وكأن الوقت يتسع له، وآخر يملك الوقت نفسه، لكنه يخرج منه مثقلًا بلا نتيجة تذكر. ليس الفرق في الساعات، بل في البركة والرفق أحد مفاتيحها.

وقد جاءت كلمات أهل البيت لتكشف هذا السر بوضوح؛

يروى عن النبي محمد ﷺ: «إن في الرفق الزيادة والبركة، ومن يحرم الرفق يحرم الخير».

وعن أمير المؤمنين الإمام علي : «من استعمل الرفق استدر الرزق».

وعن الإمام الصادق : «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف».

وعن الإمام الكاظم : «الرفق نصف العيش».

هذه النصوص لا تتحدث عن مجاملة أخلاقية، بل عن نظام دقيق في جريان الخير في تفاصيل الحياة.

ومن المفارقات العجيبة أن الإنسان كلما اشتد وانفعل، ظن أنه أقوى، هو في الحقيقة يقترب من التعب أكثر. القسوة ترهق صاحبها قبل أن تؤثر في غيره، وتجعله أسرع انفعالًا، وأقرب للخطأ، وأثقل روحًا، بينما «صاحب الرفق» يعيش خفة داخلية وهدوءًا يحميه من الزلل.

وهنا زاوية دقيقة يغفل عنها كثيرون: الإنسان الذي يتربى على العنف، أو الشدة الزائدة حتى في التعليم أو التربية والتعامل اليومي، لا يبقى أثر ذلك في سلوكه الظاهر فقط، بل يتسرب تدريجيًا إلى داخله ومع التكرار، يصبح العقل اللاواعي مبرمجًا على ردود فعل سريعة حادة وانفعالية، حتى لو كان في الظاهر متماسكًا، فيتحول مع الوقت إلى شخص حساس جدًا، عنيف روحيًا، سريع التوتر، قابل للاشتعال من أبسط المواقف؛ لأن البيئة التي اعتادت القسوة تنتج نفسية متحفزة دائمًا على الشدة، لا تعرف السكون الداخلي.

ولكن هذا الأثر ليس قدرًا لا يغير، بل يمكن علاجه وبناؤه من جديد عبر الوعي والمجاهدة، وإعادة تدريب النفس على الهدوء واللين حتى في لحظات الاستفزاز، واستبدال ردود الفعل الحادة بتدرج واع نحو السكينة، حتى تتحول الاستجابة الجديدة مع الوقت إلى طبع داخلي ثابت.

وهنا تتجلى قمة التحدي الحقيقي في هذا العالم: أن تكون هينًا لينًا، سهل العريكة، وسط ضغوط تستفزك، ومواقف تدفعك للصدام، وظروف تختبر أعصابك باستمرار. أن تبقى هادئًا حين يختار الآخرون الانفعال، وأن تختار اللين حين يكون العنف هو الطريق الأسهل. هذا ليس ضعفًا ولا سذاجة، بل مقام إنسان يراقب الله قبل ردة فعله، ويختار أن لا «يخسر نفسه» في مقابل أن «يربح الموقف».

وقد لخص الإمام محمد الجواد هذا المعنى بكلمة جامعة:

«المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه».

فالرفق هنا ليس سلوكًا خارجيًا فقط، بل حالة داخلية تجعل الإنسان قابلًا للتوجيه، قريبًا من التوفيق، بعيدًا عن التعقيد الداخلي.

وفي هذا السياق، سألت سماحة العلامة المربي الفاضل الشيخ محمد كاظم الجشي حفظه الله: ماذا ينصحنا في هذه الحياة؟

فكان معنى جوابه واضحًا وعميقًا، يحمل روح التربية العملية لا الكلام النظري؛ حيث أوصى بالرفق في التعامل، ورد الإساءة بالإحسان، مع التأكيد على منع الحالات الغضبية والعصبية والانفعال ورفع الصوت، ومنع الغصب: أي التعدي على حقوق الناس، سواء بأخذ أشيائهم أو بإلزامهم بالخدمة حياء أو بالقوة.

ثم أكد أن هذا المنهج ليس موقفًا لحظيًا، بل أسلوب حياة ثابت، يتحول إلى طبع راسخ لا يتبدل مع تغير الظروف؛ لأن السلوك الدائم هو الذي يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، لا ردود الفعل المؤقتة.

وفي النهاية، الرفق ليس مجرد أسلوب بل صناعة حياة. هو الذي يفتح الأبواب المغلقة، ويصبح الوقت مباركًا، ويجلب القبول، ويجعل حضور الإنسان نفسه مصدر طمأنينة.

إن اللين حين يمارس بوعي لا يغير المواقف فقط، بل يبدل مجرى الحياة من جذورها، فيثمر خيرًا ورزقًا وبركةً وتوفيقًا.

إذا استقر الرفق في قلب الإنسان، ازداد رزقه المادي والمعنوي والصحي والعقلي والبدني، ولانت له القلوب، وسخرت له الأسباب بلطف إلهي خفي، وانهمرت عليه الخيرات والبركات، حتى يغدو وجوده رحمة ممتدة أينما حل، ومصدر خير حيثما نزل؛ لأن من تخلق بالرفق، صار محط لطف الله في خلقه، ومجرًى لفيضه في عباده.

والحمد لله رب العالمين.