أغصان من نور «2»
ورد عن الإمام الجواد
: «مَن غَرَسَ أَشجارَ التَّقوى اجتنى أَثمارَ المُنى» [بحار الأنوار ج 75 ص 358 ].
من الجميل والمفيد لتحقيق المسار الأكمل للإنسان هو الوقوف متأملا في مسيرة حياته وتصرفاته وركائز علاقاته بشكل مستمر، إذ أنه يوقفه على نقاط أخطائه وأوجه تقصيره فيتحرك نحو التعديل والتصويب، وبخلاف ذلك فسيبقى أسيرا للنقطة المعتمة في حياته حيث تتكاثر وتتوالى الأخطاء حتى تسقطه أرضا بلا حراك في نهاية المطاف، وإذا ما أردنا تلخيص حياة الإنسان بكل ما فيها من تفاصيل وأحداث ومواقف وحكايا، فإنها لا تعدو الوجود ثم الرحيل لأجل مسمّى دون أن يأخذ معه شيئا سوى عمله الصالح أو السيئ، وأما ذلك السعي الحثيث الذي بذله لجمع شيء من المتاع الدنيوي والجاه والمال فإنه سيخلّفه للورّاث أو حوادث الزمان، فالمتاع الدنيوي محدود الأثر ومؤطر بالبُعد الزمني المؤقت، وأما الأثر الراحل معه فهو زاد التقوى والإيمان وعمل الخير ونزاهة النفس من دنس المعايب، نعم فسيرته وخلاصة سجل أعماله المشرِّف هو ما كان يمتلكه من حالة الانضباط والاستقامة الحقيقية، وذلك الورع الذي تحلّى به ينمّ عن وعي وتحمل المسئولية تجاه الرقابة الإلهية له في كل أحواله «في السر والعلن»، فالتقوى سمة فضيلة وقوة شخصية أمام حركة الإغراء والتزيين الشيطاني، واستشعار لمسئولية الإنسان أمام كل ما يصدر منه من موقف أو كلمة أو سلوك، فيحرص على التزام الصدق والصراحة والثبات في المواقف بعيدا عن المثالية الزائدة أو المراء والتلوّن، ويستنير المرء في طريقه بقبس التقوى والخوف من الله تعالى بالحذر من الوقوع فيه ي الخطايا، ففي كل مرحلة من حياته يحتاج إلى نور داخلي يحفظه من الانحراف والضياع.
ومثل هذه الحكمة الجوادية ترسم معالم الشخصية القوية أمام التيارات الجارفة على المستوى الفكري والشبهات والسلوكيات السلبية، تبني شخصية الإنسان بترسيخ الحضور المستمر للضمير اليقظ والخُطى الحذرة، ولذلك كانت كلماته
مليئة بالأبعاد المعرفية والتربوية الصانعة للإنسان؛ لأنه أراد للإنسان أن يعيش الدين وعيا وسلوكا لا مجرد مفاهيم وألفاظ لا أثر لها على أرض الواقع، والتأمّل في كلماته
يُعدّ من أهم أبواب التربية الروحية والفكرية، فالكلمة الصادقة حين تصدر من قلب الراسخين في العلم والتقوى تحمل قدرة على إيقاظ الفطرة وتصحيح البوصلة الداخلية للإنسان، فهذه الحِكَم تحتوي على مشروع تربوي متكامل يرسم للفرد معالم الاقتدار والثبات والطهارة النفسية، وتفتح أمام الإنسان آفاقا واسعة لفهم النفس والحياة والعلاقة مع الله تعالى، ولا يمكن إدراك أهمية التقوى والنزاهة النفسية إلا مع تخيّل حالة غيابها من السلوك الإنساني وكيفية التعامل بين الأفراد حينئذ، حيث تتحوّل الأخلاق إلى سلوك مصلحي أو مظهر اجتماعي قد ينهار عند أول اختبار.
التقوى تربية عملية على محاسبة النفس على منطقها وخطاها وتصرفاتها، وليس هناك من توجيه يؤتي ثماره أفضل من التربية الذاتية؛ ليكون ضميره حيا قبل أن يخاف من رقابة الآخرين، فالتقوى حالة وعي تدفع الإنسان إلى إصلاح نفسه باستمرار.













