آخر تحديث: 19 / 5 / 2026م - 2:21 ص

كيف نحمي الوعي الديني عند أبنائنا؟

هاشم الصاخن *

من الأمورِ التي تستحقُّ التأمُّلَ اليوم، ليس فقط سؤال: هل الجيلُ الجديدُ يمتلكُ الأخلاقَ الحسنة؟ بل السؤالُ الأعمق: هل يملكُ وعيًا دينيًا يُوجّهُ هذه الأخلاقَ ويحفظُها؟

فالواقعُ أنَّ كثيرًا من الأبناءِ في الفئةِ العُمريّةِ من 8 سنوات إلى 15 سنة نلمسُ فيهم جوانبَ جميلة؛ من احترامٍ في الحديث، وبشاشةٍ في الوجه، ولطفٍ في التعامل، بل وقدرةٍ على التفاعلِ الاجتماعيِّ بصورةٍ أفضلَ من بعضِ الأجيالِ السابقة. وهذه صفاتٌ تُشكرُ بلا شك، وهي من الأمورِ المهمةِ تربويًا ومجتمعيًا.

لكن هل يكفي ذلك وحده لنقول إنَّ الوعيَ الدينيَّ حاضرٌ بصورةٍ حقيقية؟

الوعيُ الدينيُّ لا يُقاسُ فقط بالأخلاقِ الظاهرة، وإن كانت الأخلاقُ جزءًا عظيمًا من الدين، بل يُقاسُ أيضًا بمدى إدراكِ الإنسانِ لما يُرضي اللهَ وما لا يُرضيه، ومدى حساسيته تجاهَ الأمورِ التي قد تتسلّلُ إلى حياتِه حتى تصبحَ طبيعيةً مع مرورِ الوقت.

وهنا تكمنُ خطورةُ بعضِ الظواهرِ الحديثة؛ إذ إنَّ المشكلةَ لا تبدأُ دائمًا من الانحرافِ الكبير، بل تبدأُ حين يفقدُ الإنسانُ شعورَه بأنَّ بعضَ الأفعالِ تحتاجُ أصلًا إلى مراجعةٍ وتأمُّل.

ومن الأمثلة التي تستحقُّ الوقوف عندها مع التأكيد أنَّها مجرد مثالٍ قد لا يتّفق معه البعض، اعتياد بعض صغار السن على تقليد المشاهير أو بعض النجوم الرياضيين العالميين في طريقة الحديث أو التصرفات أو بعض الحركات التي يقومون بها، حتى أصبح كثيرٌ من الأبناء يتلقّى بعض السلوكيات وكأنها نموذج طبيعي يُحتذى دون أن يتوقف ليسأل: هل ينسجم هذا فعلًا مع قيمه وهويته؟ بل إنَّ الأمر وصل أحيانًا إلى تعلّقٍ عاطفي كبير ببعض هذه الشخصيات، بصورةٍ تكشف حجم التأثير الذي قد يمارسه المشهور على وعي الطفل وسلوكه.

وهنا لا نتحدّث عن إصدار الأحكام على الأشخاص، ولا عن تصوير هذا الجيل بصورةٍ سلبية، فالكثير منهم أصحاب قلوبٍ طيبة وتربيةٍ حسنة، لكنَّ السؤال الحقيقي هو: هل تعوُّد الطفل على بعض الأمور المختلف حولها شرعًا، وتعاملُه معها وكأنها أمر طبيعي بالكامل، يُعدُّ صورةً مكتملة من صور الوعي الديني؟ خصوصًا إذا تحوَّل الاعتياد مع الوقت إلى غيابٍ للتساؤل والمراجعة، وهنا يأتي دور الأسرة في تنمية وعي الأبناء، لا بالمنع القاسي، بل بالحوار والتوجيه وغرس القدرة على التمييز بين ما يعتاده المجتمع وما ينسجم فعلًا مع القيم الدينية.

المقصودُ من هذا الطرحِ ليس التضييقَ على الناس، ولا تجاهلَ طبيعةِ المجتمعِ المعاصر، خصوصًا أنَّ بعضَ هذه الظواهرِ أصبحت تُمارَسُ بشكلٍ واسعٍ ومقبولٍ اجتماعيًا في كثيرٍ من البيئات، لكنَّ الفرقَ كبيرٌ بين أن تنتشرَ الظاهرة، وبين أن نفقدَ قدرتَنا على السؤالِ والتأمُّلِ والمراجعة.

فالوعيُ الدينيُّ الحقيقيُّ لا يعني أن يعيشَ الإنسانُ في عزلةٍ عن المجتمع، بل أن يمتلكَ ميزانًا داخليًا يجعلهُ يتوقّفُ أحيانًا ليسأل: هل ما أفعله صحيح؟ هل اعتدتُ على بعضِ الأمورِ فقط لأنَّها أصبحت شائعة؟ وهل الشهرةُ والانتشارُ كافيان لتحويلِ أيِّ سلوكٍ إلى أمرٍ طبيعي لا يحتاجُ إلى تفكير؟

ويمكن أن نجد أمثلةً أخرى يتعامل معها البعض باعتبارها عادية تمامًا، بينما تحتاج في الحقيقة إلى قدرٍ من التوجيه والانتباه؛ مثل بعض الألفاظ التي يتداولها الصغار في الألعاب الإلكترونية أو مواقع التواصل، أو أسلوب السخرية والاستهزاء الذي يُقدَّم أحيانًا على أنه مجرد مزاح، بل وحتى بعض الحركات والإشارات غير اللائقة التي تُستخدم بالأصابع وانتشرت عالميًا وأصبحت تُستخدم داخل بعض الألعاب والمقاطع وكأنها أمر طبيعي، حتى أصبح الطفل يُردِّد كلماتٍ أو يُقلِّد تصرفاتٍ ويتابع محتوى دون أن يسأل نفسه: هل هذا ينسجم فعلًا مع هويتي وقيمي؟

إنَّ تعزيزَ الوعيِ الدينيِّ لا يكونُ فقط بالمواعظِ المباشرة، بل يبدأُ من بناءِ حسِّ المراقبةِ الداخليةِ عند الأبناء، وتعليمِهم أنَّ الدينَ ليس مظهرًا فقط، ولا أخلاقًا اجتماعيةً فحسب، بل هو وعيٌ، وبصيرةٌ، وقدرةٌ على التمييزِ بين ما ينفعُ الإنسانَ وما قد يجرُّه تدريجيًا إلى التبلد تجاهَ بعضِ القيم.

كما أنَّ الأسرةَ والمدرسةَ والإعلامَ والمجتمعَ كلَّهم شركاءُ في صناعةِ هذا الوعي. فالطفلُ اليومَ يتلقّى رسائلَ يوميةً من الهاتفِ أكثرَ مما يتلقّاه أحيانًا من جلساتِ التوجيه، ولهذا فإنَّ مسؤوليةَ غرسِ الوعيِ أصبحت أكبرَ وأدقَّ من السابق.

وفي الختام، فإنَّ الحديثَ عن الوعيِ الدينيِّ ليس دعوةً للتشدّد، ولا محاكمةً للجيلِ الجديد، بل هو دعوةٌ صادقةٌ لإعادةِ التوازن؛ حتى يبقى أبناؤُنا أصحابَ أخلاقٍ جميلة، وفي الوقتِ نفسه أصحابَ وعيٍ يُبصرونَ به ما يدخلُ إلى عقولِهم وقلوبِهم قبل أن يتحوّلَ مع الزمنِ إلى أمرٍ اعتيادي لا يُلتفتُ إليه.

سيهات