الماضي وحنين.. الإنسان المستيقظ
الحنين والاشتياق والصراع مع الذكريات نبضٌ لا يهدأ في قلب الإنسان وكيان يرفض أن يتلاشى من إحساسه ومخيلته؛ فالأيام والليالي التي يقضيها وتمر عليها عقارب الزمن تبقى كأرشيف يعود إليه بشعور لا إرادي منه في وحدته، أو كلما مر بمكان ما أو صادفه مشهد مفاجئ فيه ما يثير الذاكرة ويهيج القلب.
حياة الإنسان بطبيعتها حياة لحظية، تكاد تكون لا شيء من عمر الزمن؛ لكنها في الوقت ذاته تعد حياة متخمة الحنين، ميالة لاجترار الماضي، مليئة بكثير من الأحداث والصور الحية المتربعة في نفسه والماكثة في بواطن عقله.
لهذا نجده حينما يستيقظ في نفسه الحنين وينهض في وجدانه بسبب مؤثر عاطفي عابر، سواء كان ذاك المؤثر مرغوبًا أو غير مرغوب، نراه يتسارع بمشاعره للخروج عن ألفة حاضره وعن واقع حاله ويهرب من لحظاته التي هو فيها ويتجه نحو ماضٍ فيه الكثير من المفقود والنادر في عوالم حاضره.
الماضي قد يكون عند البعض مليئًا بالأسى والبؤس والألم؛ ولكنه يبقى للإنسان بصمة لا تمحى من تاريخه المنحوت في الزمن ومن كينونة هويته البشرية، وكذلك يعد درة نفيسة لتأويل وفهم طوارئ عثراته ومنعطفاته، وهو بالقدر عينه ياقوتة خارج منطق المقايضة في حاضره المأزوم.
فمن ذلك الماضي الذي أنبت عرقه وجذوره، اشتد عوده وفطن معنى الكن والتكوين وقدر الباهظ والرخيص في مسيرته الحياتية والوجودية؛ ومن كفاح وبساطة أهله تعلم أن التكلف والهروب من نمط الواقعية مرض عضال أصيب به أبناء عصره، ومن تغير الحال عرف عن نفسه أنه كائن يتغير بتغير الزمان والمكان وقابل للتبلور الفكري والعرفي والسلوكي سواء كان ذلك بإرادة منه أو بغير إرادته.
حين يقارن الإنسان ماضيه بحاضره يعود للوراء بانفعالات وجدانه، فيتأثر بالكثير من الفروقات التي تؤرجح في نفسه أرجوحة الاشتياق وتبث في حاضره المتسارع الصاخب ظلمة الغربة؛ ولهذا تراه يعيش بين القبول والرفض: قبول ثمار بيئة الماضي التي تربى وعاش فيها أسلافه ورفض ثمار بيئته الحاضرة التي تغثه بما لا يرغب رغم زخم الترف الذي يحيط به من كل جانب.
الحنين للأيام الماضية وعودة القلب للأمس أشبه ببركان لا يخمد في الصدر، واللحظات التي انقضت وتركت آثارها أطلالًا خاويةً في قلبه وهو إنسان متذبذب في شعوره لا يمكنه تجاهلها أو تذويبها من ذاكرته؛ فهي ظله من شموس أوانه الحارقة، وهي مأواه من زحام الحياة وضجيجها وهي بهجته وأُنسه في وحدته وسرحانه وهي الطيف الملازم له الذي لا يفارقه في كل أحواله.
الإنسان حتى وإن حاول التأقلم مع حاضره بكل منظومته السلوكية والحسية وبكامل شعوره وشجنه؛ فستبقى تفاصيل الماضي بتجسداته الغابرة تنبش عمقه وستبقى عبراته تهطل اشتياقًا لعبق الزمان ورائحة المكان وللقيم النفيسة الآفلة التي بأفولها فقد ماهيته الأصيلة الأولى، وفقد وجوده كحقيقة متجسدة بذاته المستقلة والمتفردة والبسيطة، حتى أصبح كدمية المسارح المتخبطة التي تحركها أيدي الحاضر الخفية بخيوط الانصياع والتبعية العبثية التي لا تُرى.













