بين الصدفة ووعي التدبير
بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 5].
تكرّر معنى تدبير الأمر في القرآن الكريم في أربع مواضع، تأكيداً على أن هذا الكون ليس متروكاً للصدفة، بل هو خاضعٌ لتدبيرٍ إلهيٍّ محكمٍ دقيقٍ، يجري فيه الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يُرفع إليه سبحانه في نظامٍ لا يختلّ، ولا يخرج عن علمه وقدرته ورحمته.
هذه الآيات الكريمة تختصر رؤيةً كونيةً عميقةً: أن هذا الوجود ليس فوضى تُدار بالصدفة، بل نظامٌ دقيقٌ محكومٌ بتدبير الله عز وجل، حيث لا تقع واقعةٌ إلا وهي داخلةٌ في علمه وحكمته ورحمته، وإن خفيت علينا أبعادها وغاياتها. فالتدبير الإلهي لا يعني فقط خلق الأسباب، بل توجيهها وتسييرها نحو حكمةٍ عليا قد ندرك بعض ملامحها، ويغيب عنا أكثرها.
حين تتبدّل زاوية النظر لا يتغير المشهد فقط، بل يتغير القلب الذي ينظر، ويبصر عناية الله عز وجل في كل شيء.
في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتوالى الوقائع بلا استئذان، يعيش كثيرٌ من الناس داخل تفسيرٍ واحدٍ للأحداث؛ تفسيرٍ سطحي مباشر، يقف عند حدود الأسباب الظاهرة: حادثٌ مروريٌّ، تأخرٌ في العمل، وعكةٌ صحيةٌ، كلمةٌ جارحةٌ، خللٌ مفاجئٌ؛ كلها تُقرأ بوصفها فوضى عابرة من فصول الحياة؛ ولكن السؤال الأعمق يظل حاضراً: هل هذه مجرد أحداث؟ أم أننا اِعتدنا النظر إلى السطح حتى نسينا أن تحت هذا السطح تدبيراً أدقّ، وألطف، وأرحم؟
الإنسان العاقل غالباً لاينكر وجود الله عز وجل، لكنه يغفل عن حضوره في التفاصيل؛ يؤمن به في الكلّ، ويغيب عنه في الجزء.
فإذا تعطلت سيارته قال: خللٌ ميكانيكيٌّ، وإذا ضاق صدره قال: إرهاقٌ، وإذا تأخر عن موعده أو أُلْغِيَتْ رِحْلَتُهُ قال: سوءُ تنظيمٍ، وإذا أُسيء إليه قال: هذا طبعُ الناس.
هذه تفسيراتٌ صحيحةٌ من جهة الأسباب، لكنها ناقصةٌ من جهة المعنى، لأنها تتوقف عند السبب، ولا تتجاوز إلى من يُجري السبب، وهو الباري جلّ وعلا.
فالحياة لا تتحرك بالأسباب وحدها، بل هناك تدبيرٌ خفيٌّ، يُنسّقها، ويعيد ترتيبها، ويوجّه نتائجها بلطفٍ لا يُرى، وحكمةٍ لا تخطئ، ورحمةٍ لا تنقطع.
ومن هنا يبدأ الفرق الحقيقي بين إنسانين:
أحدهما يرى الحياة أحداثاً متفرقةً تصطدم به، فيتعب سريعاً، لأن كل شيء يقع على قلبه مباشرةً.
والآخر يراها لوحةً واحدةً، تُدار بحكمةٍ إلهيةٍ، فيسكن قلبه، لأنه لا يرى نفسه وحيداً في الميدان، بل يرى يداً رحيمةً تدبّر له، وتختار له، وتحوطه بما لا يشعر.
وهنا يتجلّى «الرضا» بمعناه العميق؛فالرضا ليس استسلاماً للنتائج، بل هو ثقةٌ بأن طريقة تدبير الله لك هي الأكمل، حتى وإن غابت عنك ملامحها.
أن تعيش وأنت تقول في أعماقك: ما جرى لم يكن عبثاً، بل اختيارٌ إلهيٌّ له معنى، وإن تأخر فهمه.
وقد عبّرت كلمات أهل البيت
عن هذا المعنى بأجمل بيان؛ يروى عن أبي عبد الله
: «من رضي القضاء، أتى عليه القضاء وهو مأجور، ومن سخط القضاء، أتى عليه القضاء وأحبط الله أجره». ويروى عن أمير المؤمنين علي
: «من رضي من الله بما قسم له، استراح بدنه». ويروى عن أبو عبد الله
: «رأس طاعة الله الرضا بما صنع الله فيما أحب العبد وفيما كره، [ ولم يصنع الله بعبد شيئا ] إلا وهو خير له». وعن أبي عبد الله
قال: «الرضا بمكروه القضاء، من أعلى درجات اليقين». وورد عن الإمام محمد الباقر
: ”في كل قضاء الله خيرٌ للمؤمن“، وعن الإمام الحسن العسكري
: ”ما من بليةٍ إلا ولله فيها نعمةٌ تحيط بها“.
هنا تتضح الرؤية؛لأن البلاء لا يُرى بمعزلٍ عن الله عز وجل، بل يُرى في ظلّ لطفه، فتتغير القراءة، ويختلف الفهم، ويصبح ما يبدو قاسياً جزءاً من رحمةٍ أوسع، وما يبدو مؤلماً محاطاً بحكمةٍ أعظم.
إن التعب الحقيقي لا يبدأ من شدة المواقف، بل من غياب هذا المعنى؛حين ينفصل الإنسان عن رؤية الله في تفاصيله، يتحمّل عبء التفسير وحده، ويُرهق نفسه بمحاولة السيطرة على ما لا يستطيع السيطرة عليه، فتضيق نفسه، وتكثر تساؤلاته، لأنه يرى الأحداث بلا سياق، وبلا حكمة، وبلا غاية.
بينما الحقيقة أن ما يُتعب القلب ليس البلاء، بل «فراغه من المعنى».
ولو تأملنا قليلاً، لوجدنا أن التفاصيل الصغيرة والكبيرة تحمل إشاراتٍ عظيمةً؛تأخيرٌ يسير قد يكون حماية، تعطّلٌ مفاجئٌ قد يكون صرفًا عن أمرٍ لا خير فيه، ضيقٌ عابرٌ قد يكون تنبيهاً، موقفٌ مزعجٌ قد يكشف حقيقةً كانت مستترةً، وعكةٌ صحيةٌ قد تكون تطهيراً ورفعاً للدرجات.
نحن نستصغر هذه الأحداث، لكنها في ميزان التدبير ليست عشوائيةً، بل أجزاءٌ دقيقةٌ في بناءٍ أكبر لم تكتمل رؤيته بعد.
وهنا تنكشف الحقيقة التي يغفل عنها الكثير؛أن كل ما يمر بك من ابتلاءٍ، أو عرقلةٍ، أو خوفٍ، أو توترٍ، ليس خارج النظام الإلهي، بل هو ضمن تدبيرٍ محكمٍ يسير في صالحك، حتى وإن لم تتضح لك معالمه الآن.
ليس هناك شيءٌ بلا معنى، بل هناك أشياء لم يُكشف معناها بعد.
ولعل التجربة أبلغ شاهد؛فكم من موقفٍ ظننّاه عابراً، فإذا به يحمل في طيّاته خيراً مؤجّلاً.
أذكر تجربةً شخصيةً؛خرجتُ في شهر رمضان، في يوم ميلاد كريم آل محمد الإمام الحسن المجتبى
، وأنا في حالٍ من البهجة، أرتدي أجمل ثيابي، متوجهاً إلى المسجد للمشاركة بالحضور في هذه المناسبة المباركة. ثم خرجت لقضاء بعض الحاجات.
وفي الطريق تعرّضتُ لحادثٍ بسيطٍ؛ صدمةٌ بسيطة عند التقاطع من امرأةٍ لم تتوقف عند المطب.
وكان الموقف في ظاهره عابراً، لكن أحد الواقفين علّق ساخراً على مظهري قائلاً: ”ولا حق الكشخة اللي أنت لابسها“، فابتسمتُ ومضيتُ ولم أُعلق على كلامه لأنه يَكْبُرُني سِنّاً، ولأن شيئاً في داخلي كان مطمئناً أن وراء هذا المشهد خير، وإن لم أفهمه تلك اللحظة.
مرت الأيام، وانقضى شهر رمضان، ثم جاء شوال، وذو القعدة وفي يومٍ كنتُ فيه لا أملك حتى نصف ريالٍ، جاءني مبلغُ التعويض عن ذلك الحادث.
حينها لم يكن الأمر مالاً فحسب، بل كان درساً عميقاً لا يُنسى: أن ما ظننته موقفاً عابراً، كان جزءاً من تدبيرٍ سبقني، وخُبِّئ لي في اللحظة التي أحتاجه فيها تماماً.
هكذا تتبدّل الرؤية؛حين تربط التفاصيل بالله، لا تختفي الشدائد، لكنها تفقد قدرتها على كسر قلبك واحباطك من الداخل، «ولا تحمل همّ الدنيا كما كنت في السابق».
يهدأ الغضب، لأنك ترى احتمال الحكمة، ويخف القلق، لأنك لا تشعر أنك وحدك، ويذوب الاعتراض، لأنك تثق أن وراء كل مشهد قصداً ومعنى.
وهنا يبلغ الإنسان وعياً أعمق؛يرى النعمة فيما لا يبدو نعمةً في نظره، لا لأن الألم محبوب، بل لأن ما وراءه قد يكون رحمةً، أو تصحيحاً، أو تهيئةً لخيرٍ أكبر، أو غفرانا للذنوب، أو رفعاً للدرجات.
فيكتشف أن كثيراً مما لم يفهمه كان في صالحه، وأن ما ظنه عثرةً كان توجيهاً لطيفاً.
عندها يتغير تعريف الحياة في داخله؛فلا تعود سلسلة أحداثٍ متقلبةً، بل رحلةً في ظل عناية الله، ولا يعود الرضا حالةً عابرةً، بل بصيرةً ثابتةً تنبع من الثقة بالله عز وجل.
وهنا يعيش الحقيقة الكبرى:
أن أعظم النِّعم ليست في تغيّر ما حولك، بل في أن ترى يد الله في كل ما يمر بك، فتعيش الحياة لا بوصفها أحداثاً عشوائيةً تقع عليك، بل بوصفها تدبيراً دقيقاً يُصاغ لأجلك، بعنايةٍ لا تخطئ، ورحمةٍ لا تغيب عنك.
والحمد لله رب العالمين.













