آخر تحديث: 15 / 5 / 2026م - 10:32 م

أساليب اجتماعية خاطئة تحتاج إلى تصحيح

سلمان العنكي

رغم الانشغال بمتطلبات الحياة المتلاحقة، واستغراق الأفكار في متابعة القنوات الإلكترونية والفضائية متعددة المسميات، لا تزال علاقاتنا البينية متميزة «أفضل من غيرنا بكثير»، أواصرها متينة وقوية، وأبرز مصاديقها مشاركاتنا في المناسبات اليومية ووقوفنا إلى جانب بعضنا في السراء والضراء؛ لزيادة البهجة في الأولى، وتخفيف المصاب في الثانية. ولكن للأسف، هذه الصفات المحمودة تشوبها تصرفات عشوائية من بعض الجهلاء تذهب بمحاسنها، أكتفي بذكر ثلاث منها، علَّنا نتفهم عيوبها فنتركها:

أولًا: في حالة الوفاة: ما إنْ نسمع بجنازة قريب أو صديق أو ابن البلد، نتهافت سريعًا لتشييعها «مبادرة طيبة، أجر وثواب»، الذي يشينها التهريج والضحك والفضول أثناء المشي خلفها، وتناول الأحاديث حتى وصولها إلى القبر، ويهال عليها التراب وأعيننا تنظر، «أين العبرة هنا؟ ذهبت في مهب الريح»؛ لأننا مشغولون بتعليقات مزاحية وسؤال بما لا يعنينا، فقط لمعرفة المتطفل ما خفي عليه من سبب موته، وسيرته الذاتية، وما ترك من مال وعقار، وكم عدد أولاده، يحسب بدقة حصة كل وارث كأنه وكيل على توزيعها، «وإن كان المعني بها ليس هنا». ومِن قائل: أتصالح مع إخوانه؟ انتهت قضيته مع زوجته في المحكمة بصلح أم طلاق، أم ما زالت قائمة؟ أما زال خلافه مع جاره أم تراضيا؟.. ما دخلك فيما تساءلتَ عنه في هذا المكان والوقت؟ لو احتاج إليك المرحوم في حياته ما نفعته، أو مرض فلم تعده.

وتدخل النساء على فاقدة لزوجها، محزونة بأمها وأبيها، مثكولة برحيل وحيدها، ومجلس العزاء حولها ديوانية فكاهة، واستطلاعٌ صحفيٌّ كاملٌ عن الفقيد.. ما به؟ مصاب بالخبيث أم سكتة قلبية؟ في البيت كان أم المستشفى؟ إذا كان حادث*ًا فمن المخطئ؟ يقال تفحمت جثته لدرجة لم يغسل… مات ودفن رحمه الله، ما هذا الاهتمام؟ وإذا وُضِعت وجبة العشاء تسابقن كأنها وليمة فرح دعين إليها. منذ عشرين سنةً غضبت قريبات لشاب توفي مأساويًا لأنهن لم يحصلن على مقبلات كغيرهن، علمًا أن الشرع يكره الأكل منها. هل هذه التساؤلات والعتب في محلها؟ لمَ لا نؤخر الحديث عنها فيما بعد في المجالس بيننا، بذكر محاسنه وترك مثالبه، نواصل ما قلناه عند الصلاة عليه: «اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرًا، زد في حسناته، تجاوز عن سيئاته، وارحمه وإيانا». ثرثرة، وغيبة، ونميمة، وبهتان، والميت محمول على الأعناق حتى يُغيَّب في لحده، يُغطى بالتراب، الملائكة عنده، وأنت تنشر كذبًا أو ما سُتر، وأهله في فجيعة يكفكفون دموعهم.

ثانيًا: التدخل في شؤون الآخرين: يأتي ليبارك بالمنزل الجديد، لا يُصوِّب لصاحبه صنيعه، ولا يحبب اختياره، ولا يشيد بموقعه وألوانه وهندسته، بل يعيبها كأنه استشير قبل أن يبدأ العمل، ليعطي رأيًا في كل صغيرة وكبيرة من خصوصيات البيت. لا يعجبه شيءٌ من ضيافة قدمت له، يتطلب غير المتوفر، يسبب حرجًا، فيخرج بعدها وقد حطم معنويات عالية قبل مجيئه، ويتمنى المُضيف لو لم يزره، لقد عكر صفوه، وأمات فرحة عمره. ما لك وأذواق الآخرين وما اختاروه لأنفسهم؟ ربما بعد أن اشتعل الرأس شيبًا أنشأ ما رأيت، وأكرمك بأحسن ما عنده. إنه يعاني من ديون أثقلت ظهره، وأنت زدت همه، وكأنك مكَّنت خنجرًا مسمومًا من قلبه لا يشفيه دواء. تدخلك بهذه الطريقة دليل تخلفك.

ثالثًا: حين تلد المرأة بعد عناء، وهي مسرورة مبتسمة، خصوصًا إن كان الأول لها، تدخل عليها نساء قومها للتهنئة بسلامتها وبما ولدت، هي العادة «شيء جميل». الخطأ عندما يتداولن المولود، لا يسترن عيوبًا فيه إن وجدت، «بل قائمة انتقادات: لا شعر في رأسه، عيناه صغيرتان، في اليمنى حول، أذناه كبيرتان، أسمر البشرة، اعوجاج في رجليه، جبهته بارزة، لا يشبه أباه، إلى درجة تشك الأم أن يكون هذا ولدها، من المؤكد أنه استُبدل بغيره». فإذا كان الأب قليل الثقافة الوراثية وأحكامها، يظن أن زوجته، لا قدَّر الله، وهي بريئة من ذلك. وأخرى تسأل: ما اسمه؟ «ح»؟ هذا مسمى قديم، أعُدِمت الأسماء؟ وقلت لمَ لا سميتموه بجديدها «ر» مثلًا؟ لكِ أن تختاري لابنك ما تشائين، ودعي غيرك يختار. وإن توفي الجنين فالسؤال: أكان بنتًا أم ولدًا؟ دُفن، فما الفرق إن كان ذا أو ذاك؟ لماذا وهي في حسرة؟ اسألي الله لها العوض.

لنكن عقلاء واعين، بعيدين عن اللغو، حتى لا تذهب الحسنات بالسيئات.