آخر تحديث: 30 / 5 / 2026م - 6:49 م

وعي لا يطفئ الرحمة.. ورحمة لا تُعطّل العقل..

عبد الله صالح الخزعل

في زمنٍ ليس ببعيد بدأت تتكرر على طرقاتنا قصة واحدة تتبدل وجوه أصحابها ولا يتغير مضمونها: رجل بسيارة تحمل لوحة غير سعودية، يلوّح لك بإشارة مستعجلة، يقترب منك بملامح مرهقة، ثم يطلق الجملة التي أصبحت شبه محفوظة: ”بطاقة البنك تعطلت… لا أستطيع تعبئة الوقود… أطفالي ينتظرون الطعام…“.

قصة محبوكة بإتقان، تُروى بنبرة محسوبة، وتستهدف في داخل كل واحد منا تلك المساحة الطيبة التي لا نحب أن نخونها. وهنا تكمن خطورة الظاهرة: ليست في المال الذي يُنتزع من جيبك، بل في استغلال الرحمة وتحويلها إلى ثغرة.

هذه الظاهرة، التي يظن البعض أنها مجرد مواقف فردية، بدأت تتحول إلى نمط احتيالي متكرر، يعتمد على عنصر المفاجأة، وعلى استعجال الموقف، وعلى ما يشبه ”الدراما السريعة“ التي لا تمنحك وقتًا للتفكير. المحتال يعرف جيدًا أن الإنسان حين يُستثار وجدانه، يتراجع عقله خطوة إلى الخلف. وهنا يبدأ اللعب على وتر التعاطف السريع الذي لا يمنح صاحبه فرصة للتمحيص.

لكن ما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة هو أثرها العميق على المجتمع. فحين يتكرر المشهد، يبدأ الناس بالتوجس من كل محتاج حقيقي، ويصبح الشك هو رد الفعل الأول، لا الرحمة. وهكذا يتحول المحتال من مجرد شخص يبحث عن مكسب سريع، إلى شخص يساهم في إضعاف النسيج الأخلاقي للمجتمع، ويشوّه صورة المحتاجين الحقيقيين الذين لا يملكون سوى الصدق سلاحًا.

إن المشكلة ليست في أن هناك من يحتال، فالمحتالون موجودون في كل زمان، بل في أن البعض بدأ يتقن فنّ استغلال الطيبة، ويحوّلها إلى وسيلة رزق. السيارة بلوحة غير سعودية تمنح القصة مصداقية إضافية: ”غريب… لا يعرف أحدًا… وقع في ضيق…“. ثم تأتي الحكاية الجاهزة التي لا تتغير. ولو تأملت قليلًا لوجدت أن المحتاج الحقيقي لا يملك هذا القدر من ”السيناريو“، ولا هذا الهدوء في تكرار القصة ذاتها عشرات المرات.

ولأن الظاهرة تتسع، يصبح من الضروري أن نتعامل معها بوعي لا يلغي الرحمة، بل يحميها. فالمطلوب ليس أن نغلق أبواب الخير، بل أن نفتحها بطريقة لا تسمح للمحتالين بالعبور. يمكن للإنسان أن يساعد دون أن يكون ضحية، وأن يتعاطف دون أن يُستغل. فإذا صادفت مثل هذا الموقف، فبدلًا من تقديم المال مباشرة، يمكنك أن تعرض تعبئة الوقود بنفسك أو توجيهه إلى أقرب محطة أو جهة رسمية. المحتال يهرب من التفاصيل، بينما المحتاج الحقيقي يشرحها بصدق. وهنا يظهر الفرق.

أما على مستوى المجتمع، فالمعالجة لا تكون فقط بالتحذير، بل بـ رفع الوعي، وبإيضاح أن المساعدة الحقيقية لا تكون في الطرقات العشوائية، بل عبر قنوات رسمية تضمن وصول الدعم إلى من يستحقه. دون أن يكون ذلك تضييقًا على أحد.

إن الكتابة عن هذه الظاهرة ليست دعوة للشك، بل دعوة للوعي. ليست اتهامًا للناس، بل حماية لقلوبهم. فالطيبة قيمة عظيمة، لكنها تحتاج إلى حكمة تحرسها. والمجتمع الذي يعرف كيف يوازن بين الرحمة والبصيرة، هو المجتمع الذي تبقى فيه المروءة حيّة، لا تُستنزف ولا تُستغل.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: كيف نحافظ على إنسانيتنا دون أن نسمح لأحد بأن يجعل منها بابًا للغنيمة؟

الجواب يبدأ من هنا… من وعي لا يطفئ الرحمة، ورحمة لا تُعطّل العقل.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 16 / 5 / 2026م - 3:21 ص
أضم صوتي إلى صوتك أستاذ عبدالله…
فالظاهرة التي أشرتَ إليها وضعتنا — كمجتمع — في منطقة حرجة بين الإفراط والتفريط.
فمن جهة، هناك من تنطلي عليهم هذه الحيل فيفرطون في العطاء لمن لا يستحق، بينما يقف المحتاج الحقيقي بعيدًا بلا معين.
ومن جهة أخرى، هناك من يدفعه تكرار المشهد إلى التفريط في مساعدة المكروبين وأصحاب الحاجات، فيُغلق قلبه خشية الوقوع في الفخ، فيكون ذلك — من حيث لا يشعر — مجحفًا بحق الروح الإنسانية التي يقوم عليها المجتمع.

إن أخطر ما تفعله هذه الظواهر أنها لا تسرق المال، بل تسرق الثقة، وتضعف المروءة، وتربك ميزان الرحمة في النفوس.
ولذلك يصبح الوعي ضرورة لحماية الطيبة، لا لإلغائها…
والتمييز بين المحتاج الصادق والمحتال ليس مهمة مستحيلة، لكنه يحتاج إلى بصيرة لا تُطفئ الرحمة، ورحمة لا تُعطّل العقل.