آخر تحديث: 11 / 5 / 2026م - 1:52 م

عندما يكتب الضوء حكايتنا

أنيس آل دهيم *

حين أتأمل تاريخ التصوير الفوتوغرافي أشعر أننا لا نتحدث عن تقنية وُلدت في مختبر، بل عن لحظة تحوّل تخلد عظمة الخالق وتعيد ذكريات الإنسان إلى أجيال أخرى. فالتصوير منذ بدايته لم يكن مجرد انعكاس لواقع عابر، بل كان فعلاً وجودياً، محاولة للإمساك بالزمن، وتثبيت لحظة هاربة، وإعادة صياغة علاقتنا بالعالم من حولنا. الصورة ليست نسخة من الواقع، بل تفسير له، وأحياناً إعادة تكوينه بلغة الضوء.

لقد مثّل اكتشاف الفوتوغرافيا زواجاً استثنائياً بين العلم والفن. فالكاميرا ثمرة بحوث دقيقة في البصريات والكيمياء، لكنها في الوقت ذاته أداة تعبير جمالي عميق. هذا التلاقي المبكر جعل التصوير وسيطاً فريداً، إذ صار بالإمكان لأول مرة أن نصنع نسخة دائمة من مشهد عابر، وأن نعيد إنتاجه بلا حدود. هنا بدأ إدراكنا للزمان والمكان يتغير. لم تعد اللحظة تفلت بالكامل، ولم يعد المكان حبيس حدوده الجغرافية.

يشير الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين إلى أن التصوير كان أول وسيلة ثورية حقيقية للاستنساخ، وأن قدرته على إعادة الإنتاج غيّرت طبيعة العمل الفني وعلاقة الجمهور به. ومع هذا التحول، أصبح البعيد قريباً، والغائب حاضراً، وانضغطت المسافات بين هنا وهناك. لقد أسهمت الصورة في إعادة تنظيم الرؤية الحديثة، حتى بات كثيرون يعتقدون أن ما تلتقطه الكاميرا هو الحقيقة ذاتها.

غير أن التصوير لم يولد من فراغ، فقد ورث تقاليد المنظور من الرسم، واستند إلى منجزات علمية سابقة. لكنه وسّع حدود الرؤية البشرية إلى مدى غير مسبوق. يكفي أن نتذكر تجربة لويس داغير الذي مزج التقنية بالإبهار في عروض الديوراما، فقدم مشاهد واقعية توحي بالحركة والعمق عبر تلاعب معقد بالضوء. كان هدفه - كما قال - أن يسرق الطبيعة، أي أن يعيد تشكيلها فنياً. وهنا تكمن مفارقة الفن الحديث: نعلم أن ما نراه ليس الواقع ذاته، ومع ذلك نندهش أمام واقعيته.

ومن بين أكثر تجليات هذا التلاقي بين العلم والفن عمقاً وتأثيراً، يأتي التصوير الفلكي. حين نوجه العدسة إلى السماء، نحن لا نلتقط نقاطاً مضيئة فحسب، بل نوثق ضوءاً قطع ملايين السنين ليصل إلينا. الصورة الفلكية ليست لحظة آنية، بل سجل زمني كوني. إنها تجمع بين الحسابات الدقيقة للتعريض الطويل والمعالجة الرقمية، وبين الحس الجمالي الذي يحول السديم إلى لوحة والمجرة إلى قصيدة ضوئية. هنا تتجاوز الكاميرا حدود العين البشرية، فترى ما لا نراه، وتكشف ما كان حكراً على المراصد العلمية.

في هذا السياق، أستحضر مثالاً حياً عشته عن قرب، وهو المعرض الفلكي الفوتوغرافي «الكون في أبهى صورة» الذي أقيم على صالة جمعية الثقافة والفنون بالدمام. لم يكن ذلك الحدث مجرد عرض لصور جميلة للسماء، بل كان محطة ثقافية مهمة في المشهد السعودي. شارك فيه عدد من المصورين المحليين والدوليين، وعُرضت أعمال وثقت السدم والمجرات ودرب التبانة والظواهر الفلكية النادرة، بتقنيات احترافية تجمع بين الدقة العلمية والرؤية الجمالية.

ما لفتني في ذلك المعرض أنه لم يكتفِ بعرض الصور، بل خلق حواراً معرفياً حول معنى التصوير الفلكي وأدواته وتقنياته. كان الجمهور لا يشاهد الصورة فقط، بل يتعرف إلى القصة خلفها: كيف التُقطت؟ كم استغرق التعريض؟ ما الأجهزة المستخدمة؟ وما الدلالات العلمية للمشهد؟ بهذه الطريقة أسهم المعرض في ترسيخ ثقافة التصوير الفلكي في السعودية، وتحويله من هواية فردية إلى مشروع ثقافي ومعرفي له حضوره وتأثيره.

لقد لعب المعرض دوراً مهماً في إبراز المواهب السعودية في هذا المجال، وفتح الباب أمام جيل جديد يرى في السماء مساحة للإبداع لا تقل عن أي مرسم فني. كما عزز الوعي بأن التصوير الفلكي ليس ترفاً بصرياً، بل أداة تعليمية تسهم في نشر الثقافة العلمية، وإعادة وصل الإنسان بتراثه الفلكي العريق، حيث كانت النجوم دليلاً في الملاحة ومصدراً للتأمل والشعر والمعرفة.

ومع اتساع انتشار الصورة في العصر الرقمي، تبرز أهمية الوعي بحقوق المصورين وملكية أعمالهم. فبمجرد التقاط الصورة تنشأ حقوق قانونية لصاحبها، وهي مسألة تزداد أهمية في زمن تنتشر فيه الصور خلال ثوانٍ عبر المنصات الرقمية. وهنا يأتي دور مؤسسات دولية مثل المنظمة العالمية للملكية الفكرية التي تسعى إلى تعزيز الوعي بحقوق المؤلف، ودعم المبدعين، بما في ذلك المصورون، في حماية أعمالهم واستثمارها.

في النهاية، أرى أن التصوير - وبالأخص التصوير الفلكي - ليس مجرد تقنية ولا حتى مجرد فن، بل هو موقف من العالم. هو محاولة لفهم مكاننا في هذا الكون الواسع، وإعادة تعريف علاقتنا بالزمان والمكان والذاكرة. من صورة وجهٍ إنساني إلى صورة مجرة تبعد ملايين السنين الضوئية، تظل العدسة أداة لاكتشاف العالم وإعادة اكتشاف الذات. وبين الأرض والسماء، يكتب الضوء حكايتنا… صورةً بعد صورة.