آخر تحديث: 9 / 5 / 2026م - 12:50 م

ما وراء الأرقام.. حين تعكس الشاشات الواقع

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

في الصف الثاني الابتدائي، كتبتُ أول قصة في حياتي. لم تكن عن مغامرة، بل عن «الصفر». كنتُ أتساءل كيف يمكن لرقم بلا قيمة أن يصبح مؤثرًا. كتبت أن الصفر، حين يقف وحده، لا يساوي شيئًا، لكنه حين يُوضع إلى يمين الرقم «1»، يتحول إلى قوة: 10... 100... 1000.

ومنذ ذلك الوقت، تعلّمت درسًا مبكرًا: قيمة الرقم ليست فيه، بل في موقعه وسياقه. واليوم تغيّرت الأدوات، لكن الدرس لم يتغير، فالأرقام أصبحت لغة يومية في العمل تُقاس بها المؤشرات وتُعرض عبر شاشات تُقرّب القائد من الواقع وتدعم سرعة القرار، غير أن قيمتها تبقى مرتبطة بفهمها لا بمجرد عرضها، فما لا يمكن قياسه لا يمكن تطويره.

لكن مع هذا التقدم، يبرز سؤال مهم: هل تعكس الأرقام الواقع أم صورة عنه؟ فالاكتفاء بالشاشات دون قراءة الميدان قد يخلق فجوة صامتة بين ما يظهر وما يحدث فعليًا. وأتذكر من أيام الدراسة كيف كان يتم اختيار الطالبات المتفوقات عند زيارة التوجيه لتمثيل الفصل بأفضل صورة، فتبدو الأمور مثالية، لكنها لا تعكس دائمًا الواقع الكامل. واليوم لم تعد الصورة في فصل دراسي، بل على شاشات تنفيذية، وهنا يظهر الفرق بين عرض الأداء وفهمه، فالمؤشرات وُجدت للكشف لا للتجميل، والمؤشر الأحمر ليس فشلًا بل إنذارًا مبكرًا، والأصفر تنبيه ذكي قبل التدهور.

التحدي الحقيقي اليوم ليس في توفر البيانات، بل في نضج التعامل معها. هل نبحث عن فهم الرقم أم عن تحسين لونه فقط؟ فهناك فرق كبير بين تحسين المؤشر وتحسين النظام الذي ينتجه.

وفي المنظومات الناضجة، يُقاس النجاح بقدرة الفرق على كشف الفجوات ومعالجتها لا بإخفائها. فالشاشات لم تُصمم لتُبهِرنا، بل لتُقرّبنا من الواقع.

وهكذا تتكامل المعادلة: الشاشة تعكس، والميدان يؤكد، والقرار يُبنى على الاثنين معًا. وتبقى قصة ”الصفر“ حاضرة: الرقم بلا سياق لا قيمة له، وفي عالم تتسارع فيه البيانات، نحن لا نحتاج مزيدًا من الأرقام، بل نحتاج وعيًا أعمق في قراءتها وتحويلها إلى قرارات تُحسّن الواقع لا صورته فقط.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي