آخر تحديث: 9 / 5 / 2026م - 11:03 ص

تحصين المجتمعات من خطابات التحريض والطائفية

حسن المصطفى * صحيفة البلاد البحرينية

تُمثل الدولة الوطنية الحديثة في الخليج العربي، كيانًا مؤسسيًّا يسعى لتجاوز الهويات التقليدية نحو فضاء المواطنة الشاملة، دون أن يلغي التعددية الثقافية والدينية أو يتصادم معها، إلا أنه يريد لكيان ”الدولة“ أن يكون جامعًا لمختلف المكونات دون تمييز أو تفضيل لفئة دون أخرى، لأن المساواة والعدالة تعتبران ركيزتين أساسيتين للحكم المدني الرشيد وللسلم الأهلي.

هذا المسار رغم تعزيزه بالقوانين الحامية، إلا أنه يواجه اليوم تحديًا بنيويًّا يتمثلُ في الخطابات التحريضية والعنصرية والطائفية المنتشرة في منصات التواصل، حيث يُعاد استدعاء المذهب والقبيلة والعرق كخنادق آيديولوجية تُهدد العقد الاجتماعي، وتدفع نحو صراعات مذهبية عابرة للحدود! إن تسييس ”الهويات الأولية“ في ظل الاضطراب الجيوسياسي الراهن والحروب التي تشهدها المنطقة، يمثل تهديدًا للأمن القومي؛ إذ يحل ”الجهل الوظيفي“ محل الوعي النقدي، وتصبح الجبهات الداخلية هشة وقابلة للاختراق عبر استدراج العواطف الانفعالية، واختلاق معارك هامشية تفتت النسيج المجتمعي.

تتطلب المرحلة رؤية علمية وعملية رصينة، تدرك أن مدنية الدولة هي ضمانة أصيلة لحماية التنوع الثقافي والديني والعرقي، بعيدًا عن هيمنة الخطابات الإقصائية. كما أن سيادة القانون يجب النظر لها كأداة تنظيمية، ورافعة تمنع تحويل ”المقدسات الدينية“ أو الروابط الاجتماعية إلى أدوات صراع عبثي بين الجماعات المختلفة.

إن تعزيز الهوية الوطنية الجامعة يقتضي بالضرورة تفكيك بنية الخطاب التحريضي الذي يقتات على إعادة تدوير السرديات التاريخية والفرز الطائفي، واستبداله بثقافة مدنية منفتحة، تؤمن بالتعددية كقيمة حقيقية، وتطبقها في الحياة اليومية. تحصين المجتمعات الخليجية لن يتحقق مادامت تبجل بغرائزية عصبياتها الذاتية وتحرض بعنفٍ ضد كل من يختلف معها في الرأي! وعليه، لابد أن تعيد المجتمعات النظر لذواتها وعلاقتها بالآخر، بوصفها جزءًا من الحاضر لا مجرد كيانات تعيش في الماضي وتجتر فتنه ومناكفاته التي يجب التحرر منها بشجاعة ووعي، وهو ما يحتّم إخضاع الخطاب لأدوات التحليل النقدي، ونزع الشرعية عن ”اللغة التحريضية“ التي تؤسس للفرز الحاد.