زوروا نوّاب الإمام
بعد استشهاد أبي محمد الإمام الحسن بن علي العسكري
عام 260 هـ الموافق 874 م بدأت الغيبة الصغرى، وقد مهد إليها بأبي وأمي الإمام العسكري
حينما أعلن بين أصحابه وخاصته عن ولادة ولده وتركيز مفهوم ولادته ووجوب طاعته في أذهانهم. وقد كان مجلسه
غاصًّا بأربعين من أصحابه ومخلصيه، منهم: محمد بن عثمان العمري، ومعاوية بن حكيم، ومحمد بن أيوب بن نوح وغيرهم، أخرج عليهم ابنه المنتظر
، وقال لهم: «هذا إمامكم بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم»، ويضيف قائلًا: «أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا». هذا الإعلان الرسمي الكبير الذي قام به الإمام العسكري
بعد ميلاد ابنه وقبل رحيله، كما أنه عين النائب الأول والنائب الثاني، ومن ثم صرح النائب الثاني بمن سيأتي من بعده؛ وهكذا حتى انتهت فترة السبعين عامًا [1] .
السفراء هم أربعة نواب، وهم الذين مثلوا حلقة الوصل بين الإمام المهدي
روحي لمقدمه الفداء وعامة الشيعة، وكانوا من وجوه الطائفة وأصحاب الأئمة المعروفين والمعتمد عليهم، وكانوا على اتصال مع سائر وكلاء الإمام في شتى بقاع العالم الإسلامي، يحملون إليهم رسائله وتوصياته المعروفة في الوسط الشيعي بالتوقيعات [1] . استمرت سفارة النواب حوالي سبعين عامًا، من سنة 260 هـ حتى سنة 329 هـ. فمن هم هؤلاء النواب العظام؟
المعروف بالسمان، فترته من 260 هـ حتى 265 هـ، أول النواب للإمام المهدي
، كان من أبرز وكبار العلماء، وقد دفعه الإمام العسكري
للاتجار بالسمن «الزيت» ليتمكن من خلال دوره الظاهري من التواصل مع الإمام؛ باعتبار أن الإمام تحت الإقامة الجبرية، فيتمكن من إيصال الحقوق الشرعية والمسائل للإمام بواسطة جرة السمن، ومثله محمد القطان يضع الحقوق والمسائل في طيات القماش والقطن. وتكشف مكانته رواية أحمد بن إسحاق، عن الإمام الهادي
قال: سألته، وقلت: من أعامل؟ وعمن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال: «العمري ثقتي، فما أدى إليك عني فعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له وأطع، فإنه الثقة المأمون». يقع مرقده الشريف في بغداد في الجانب الشرقي «الرصافة» في منطقة سوق الميدان.
وفترة نيابته من 265 هـ حتى 305 هـ، وهي أربعون سنة، وهذا ما جعله الأبلغ تأثيرًا في إدارة شؤون شيعة أهل البيت
، تولى المنصب بنص من الإمام العسكري ونص من أبيه، وكان كوالده من أصحاب العسكري
المعتمدين لديه ومحل ثقتهم، كما يظهر من رواية أحمد بن إسحاق حينما سأل الإمام العسكري
عن مثل ذلك، فقال: «العمري وابنه ثقتان، فما أديا إليك فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان». وتوسع هذا السفير المكرم في عمله التبليغي حتى بلغ عدد وكلائه في بغداد وحدها عشرة، منهم النائب الثالث ابن روح النوبختي، وكانوا على درجة عالية من التحرز للإيمان، والزهد في الدنيا [2] . ويقع مرقده الشريف في ساحة الخلاني ببغداد، ويشتهر ب«مرقد الخلاني».
وفترة نيابته من 305 هـ حتى 326 هـ، وهي إحدى وعشرون سنة، ويُعد النوبختي من أصحاب الإمام العسكري
، ومن المعتمدين والمقربين لدى النائب الثاني محمد بن عثمان العمري. وقد مهد العمري لنيابته من خلال إرجاع الشيعة إليه، روي أن أبا جعفر العمري، النائب الثاني، لما اشتدت حاله، اجتمع جماعة من وجوه الشيعة منهم: أبو علي بن همام، وأبو عبد الله بن محمد الكاتب، وأبو عبد الله الباقطاني، وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي، وأبو عبد الله بن الوجناء، وغيرهم من الوجوه والأكابر، فدخلوا على أبي جعفر فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: «هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر، والوكيل له والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه في مهماتكم، فبذلك أُمرت وقد بلغت». وحينما سُئل أبو سهل النوبختي، وهو عالم متقدم في الشيعة، لماذا لم يتم اختياره للسفارة؟ أجاب: هم أعلم وما اختاروه، وقال فيما قال: «ولو علمت بمكانه «الإمام» كما علم أبو القاسم، وضغطتني الحجة لعلي كنت أدل على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه». وهذا يدل على صلابة تحمله وشدة كتمانه وقوة إيمانه.
يقع مرقده الشريف في محلة الشورجة، ضمن منطقة النوبختية سابقًا، في زقاق يربط بين سوق العطارين والسوق العربي، بالقرب من شارع الجمهورية.
وفترة نيابته من 326 هـ حتى 329 هـ، ثلاث سنوات، وكأنها فترة انتقالية إلى الغيبة الكبرى، حيث يتعامل الناس مع العلماء المجتهدين، فقد روي عن الإمام العسكري
: «فأما من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه، مخالفًا لهواه، مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه». وقد أفصح عن تنصيبه السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي بأمر من الإمام صاحب الأمر. وقبل وفاته بستة أيام، جاءه توقيع من الإمام
يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلا بعد إذن الله...»، وبوفاته انتهت الغيبة الصغرى. ويقع مرقده الشريف في منطقة الشورجة ببغداد.
وتخضع كل هذه المزارات لإشراف ديوان الوقف الشيعي «الأمانة العامة للمزارات الشيعية»، وقد تم ترميمها وتوسعتها في السنوات الأخيرة.
رحم الله صاحبي وزميلي وجاري الحاج نوري الفشخي، أبا عمار، قبل سنوات ودعته للسفر لزيارة الأئمة الأطهار في العراق، فأوصاني قائلًا: إذا وصلتم لزيارة الكاظميين عليهما السلام، لا تنسَ أن تضع في جدولك الخاص زيارة سلمان المحمدي ونواب الإمام المنتظر في بغداد؛ لأن الحملات للأسف لا يقومون بذلك. وفعلًا استأجرت سيارة وزرت سلمان والنواب الأربعة، وحينما علم بعض الزوار، قاموا في اليوم التالي بزيارتهم. وهنا أذكر أحبتي بأن لا يحرموا أنفسهم بركات زيارتهم.
ورد في مفاتيح الجنان من طرق العلماء مسندًا إلى أبي القاسم الحسين بن روح رحمه الله حيث قال في صفة زيارتهم: يسلم على رسول الله وعلى أمير المؤمنين وعلى خديجة الكبرى وعلى فاطمة الزهراء وعلى الحسن والحسين والأئمة
إلى صاحب الزمان صلوات الله عليه ثم يقول: «السلام عليك يا فلان بن فلان «وتذكر اسم صاحب القبر واسم أبيه» ثم تقول: أشهد أنك باب المولى، أديت عنه وأديت إليه، ما خالفته ولا خالفت عليه، قمت خاصًّا وانصرفت سابقًا، جئتك عارفًا بالحق الذي أنت عليه، وأنك ما خنت الأمانة في التأدية والسفارة... إلخ» [3] . وكما ذكر العلماء، فإن لهذه الزيارة أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا؛ كيف لا وهم قد فاقوا جميع أصحاب الأئمة وخواصهم مرتبة وفضلًا، وفازوا بالنيابة عن الإمام وسفارته والوساطة بينه وبين الرعية خلال سبعين سنة، جرى خلالها على أيديهم كرامات كثيرة.
ونختتم مقالنا هذا بالدعاء للحجة المنتظر «عجل الله فرجه الشريف»:
«اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًّا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليلًا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتعه فيها طويلًا».












