احذر أمامك فخ
هل شاهدت تمساحًا يبتلع فهدًا عند حافة النهر؟ أنا شاهدته في فيلم وثائقي مرعب. لا يظهر من التمساح إلا العيون الصغيرة، يقترب بحذر تحت الماء، وعند لحظة مثالية حين يريد الفهد أن يروي ظمأه، ينقض التمساح فاغرًا فكيه ليطبق على رأس الفهد. ذهب الفهد ”وجبة“؛ غاص به التمساح، خنقَ الفريسة، وابتلعَ الجسد!
ماذا لو قلت لك أنت هذا الفهد المغتر بسرعتك؟ ماذا تنفعك براثنك وأنيابك إذا اقتربت من الحافة؟ انتبه لفخاخ الحياة، واحذر أن يُغدَرَ بك في لحظة سهوك؛ فالمتربصون يغتنمون لحظات شرودك، ولن تنفعك قواك إذا غفلت.
الحافة هي المنطقة العمياء التي يلتقي فيها احتياجك مع غدر الخصم. الفهد سقط لأنه اقترب أكثر مما ينبغي؛ فبعض الأماكن لا تقبل الخطأ الواحد. إن الاقتراب من الفتن أو الصفقات المشبوهة هو وقوفٌ اختياري على فك التمساح؛ فالخطر لا يبدأ عند الابتلاع، بل يبدأ عند الوقوف على الحافة الخطأ. ينقل أحدهم
قصةً واقعية عايشها لمجموعةٍ وثقوا برجلٍ من خيرةِ الأصحاب، فلما استلمَ الدراهم والدنانير، استحالَ شخصًا آخر؛ كشّر عن أنيابه وقالوا: لقد خُدعنا! ولكن ماذا ينفع الندم حين تسقطُ المقصلة؟ لقد كان سقوطًا اختياريًا على فك تمساح، ضاعت معه مدخراتُ العمر دون طائل.
التمساح لا يطارد، بل ينتظر الظمأ. الفخاخ لا تنصب لنا في ذروة اكتفائنا، بل حين نكون في أمسّ الحاجة للمال، أو الوجاهة، أو الانتماء. التماسيح البشرية تدرك أن الجائع لا يدقق في صفاء الماء؛ فيندفع ليرتوي من أي مورد، ليكتشف متأخرًا أن الجرعة كانت فيها نهايته! نقل لي صديق: أن أحدهم أراد مضاعفة أمواله سريعًا، فأغراه سهمٌ براق؛ دخل بكل ماله، بل واستدان ليغترفَ أكثر. لم يدرك أن ”الظمأ“ للمال كان الفخ؛ وفي النهاية، تبخرت الأحلام وخسر جميع ماله، ولم يجنِ من تلك الجرعة إلا غُصّة الندامة.
الأخطار لا تظهر لك دائمًا في صورة وحشٍ فاتك، بل قد تتخفى خلف جذع شجرة هادئة أو تحت ماء ساكن أو في هيئة حمل وديع. هذا هو مكر الصفقات الوردية، وعروض السفر الخادعة، والبضائع البراقة. الخديعة الحقيقية هي التي ترتدي ثياب البيئة التي تألفها وتطمئن إليها، حتى إذا أمنتَ.. انقضّت عليك وابتلعتك. ولقد حدث لي مرارًا أن يطلبَ مني كبارُ السن سحبَ أموالهم من الصرافة، ويسلموني أرقامهم السرية بكل طمأنينة. هذا النقاء فطري، لكنه في زمن التماسيح خطرٌ مميت؛ فالمصيبة حين تأتمنُ خائنًا يرتدي وجه الصلاح، عندها ستكتشف أن ما وراء العيون كان يتربصُ بسترِ حياتك.
قد تغتر بقواك، ذكاؤك، خبرتك، منصبك، غير أنّ في ”ملعب التمساح“ لا قيمة لسرعة الفهد. في عوالم الأسهم والديون والفتن، أنت تُسحب إلى بيئةٍ تُُلغى فيها مهاراتك لتصبح مجرد وجبة. اعترف؛ لقد جربتُ يومًا مغامرة مالية وظننتُ نفسي محنكًا. وبمجرد أن اقتربتُ من الماء اكتشفتُ الخدعة؛ ضحيتُ بخسارة صغيرة وهربت.. خسرتُ مالًا لكنني اشتريتُ درسًا، فلماذا لا نتعظ من تجارب الآخرين؟ نقل لي أحدهم: أن رجلًا ثريًا كان هو ”التمساح“ في سوق العقار، خبيرًا بكيفية أكل الكتف؛ لكنه حين غادر ملعبه إلى ”شاشة الأسهم“، تغيرت المعادلة. هناك، في مياهٍ لا يتقن السباحة فيها، التهمته التماسيح الكبيرة بمجرد أن غادر ملعبه الذي يعرفه.
ليست كل غنيمةٍ مكسبًا، فالبصيرة الحقيقية أن تدرك متى يكون الحرمان نجاة. ثمة أوقات يكون فيها الامتناع هو أعلى درجات النصر، حين يكون ثمن شربة الماء هو الهلاك. فيا أيها الفهد المسكين؛ ذهبتَ في لحظة شرب ماء، ولو كنت تعرف لآثرتَ الصيام على احتساء جرعةٍ ستكلفك كل حياتك. أحيانًا يكون الحرمان الإرادي والزهد الذكي هو قمة الحكمة. أن تعيش بعطشٍ شريف خيرٌ لك من أن ترتوي بـ ”جرعةٍ“ تكلفك كل حياتك. الصيام عن المغريات ليس عجزًا، بل هو حصانة من الابتلاع. من أحاديث الأصدقاء أنّ أحدهم كان في أشدّ الاحتياج للمال، فجاءه عرضٌ لمشروعٍ يقطر ذهبًا. وفي اللحظة الأخيرة، استشعر بحسه الفطري ريبةً؛ أدرك أن ”الجرعة“ مسمومة، فآثر الانسحاب بصمت. فنجا بنفسه من خدعةٍ سقط فيها الجميع، لأن بصيرته رأت الهلاك خلف بريق الأرباح.
النجاة ليست في الهروب من النهر، بل في يقظة الشرب. الحياة تتطلب منا الانخراط في التجارة والعلاقات، ولكن بوعي ”الفهد الحذر“ لا ”الفهد المغتر“. ارفع مستشعرات وعيك، ولا تسمح لبريق العروض أن يعمي بصيرتك عن العيون الصغيرة الكامنة تحت السطح. مما قرأت أن تلميذًا مغرورًا تعلم من أستاذه فنون القتال حتى ظن أنه ملكَ ناصيتها، فتحدى أستاذه أمام الملأ. وفي لحظة الغرور تلك، سقط التلميذ بضربةٍ واحدة لم يعلمه إياها الأستاذ أبدًا؛ وهكذا أدرك أن غروره لم يذهب بماء وجهه فحسب، بل ألقى به صريعًا في ملعب الكبار.
في الختام نقول لك: أيها الفهد المسكين؛ لقد ذهبت حياتك في لحظة شرب ماء. العالم أوسع من حافة نهر واحد، والارتواء الذي ينتهي بالهلكة هو عطشٌ دائم. التفت حولك، فالتماسيح لا ترحم الساهين، وما نجا إلا من جعل الحذر رفيقه.. لا جرعة ماء!












