آخر تحديث: 8 / 5 / 2026م - 2:22 م

الزلّة الأولى: بداية الطريق أم بداية السقوط؟ «1»

هل يمكننا توجيه سؤال مهم يتعلّق بالطبيعة البشرية، وذلك بما يتعلّق بمسألة توقّع صدور الخطأ من الفرد مع ما يمتلكه من قوة واقتدار في معرفة حقائق الأمور، حيث يمتلك العقل المدرِك لنتائج أي خطوة أو كلمة تصدر منه والآثار المترتبة عليه؟!

لا نفارق الحقيقة إن قلنا إنَّ الخطأ جزء لا ينفصل عن تركيبة الإنسان الذي يتصارع بين دواخله صوت الوعي وقوة الهوى والشهوة، وليس من المعقول توجيه الخطاب الإرشادي له بالتخلّص من حالة ارتكاب الخطيئة والحفاظ على لباس النزاهة والطهارة النفسية دون تخلّف في أي محطة من حياته؛ فهذا يخالف الواقع، بل لا نباين الحقيقة إن قلنا إنَّ طريق التكامل والاقتدار عند الفرد لابد أن يمر على مسار الخطأ، والمفارقة بين الفرد الواعي وغيره هو تحويل الخطأ إلى فرصة للتعلم من أخطائه واستثمار ذلك الموقف ليكون بصيرة له في اكتشاف نقاط الضعف وعوامل السقوط، فالتجربة من أهم موارد التعلم عند الإنسان فيستفيد من أخطائه وأخطاء الآخرين، فيدرس المواقف وتقع عيناه على تلك النقاط التي تسعفه في طريق العمل المثابر كالأمل والصبر والنظر في عواقب الأمور، وحالة النضج الفكري والثبات والتوازن السلوكي لا يتحقق دفعة واحدة، بل هو نِتاج التجارب والاحتكاك والممارسة التي تبرز منها نتائج يدرسها ويدقق فيها، ويكوّن المعرفة الواقعية لمحددات شخصيته بنظر واقعي بعيدًا عن الأوهام الزائفة.

وإذا كان صدور الخطأ أمرًا واقعيًّا ولا غرابة فيه، تتجه الأنظار نحو السؤال الأعمق، وهو: ماذا يفعل الإنسان بعد صدور الخطأ منه؟

هنا تبدأ القصة الحقيقية وتسليط الأضواء على بقعة ارتكاب الذنب وكيفية التعامل معه بنظرة واقعية، فالذنب - كما أسلفنا - يعدّ ارتكابه نتيجة لحالة الغفلة أو تحكّم الأهواء والشهوات المتفلّتة في تصرفات وقرارات الفرد، ولكن مجرد وقوعه لا ينبغي تضخيمه والنظر إليه وكأنه نهاية الطريق ولا يمكن معالجة الموقف أبدًا، فالذنب منعطف وجودي يكشف عن حقيقة موقف إنساني تحكّمت فيه غريزة وغاب عنه عقلٌ واعٍ وضمير يقظ، وما يهمّ بعد دراسة الواقع والعمل على إنقاذ نفسه من أسر وعبودية الشهوة وتجنّب المسار الذي يسقطه فيها، هو دراسة واقعه وما سيكون عليه بعد ذلك وحالة التفاعل النفسي مع الذنب وتأثيره عليه، فإن نظر بواقعية لعبوديته الحقة للرحمن المنعم عليه، فبالتأكيد سيتجه نحو الرجوع عما ارتكبه والعمل على الحفاظ على نزاهة نفسه، أم أن هذا الذنب سيكون الانطلاقة الأولى له في مسار الجرأة والتمادي والاستمرارية في طريق الخطايا، فليست المشكلة في وقوع الزلّة بل في كيفية التفاعل معها وحال الإنسان بعد ذلك؛ لأن ما بعد الذنب أخطر من الذنب نفسه وسيحدد الفرد قيمة نفسه ومدى ما يمتلكه ويتحلّى به، فارتكاب الخطأ محطة يحدّد الفرد بعدها اتجاهه التألقي نحو التصحيح والمعالجة والنهوض مجددًا، أو الانزلاق نحو تسلسل من الخطايا دون توقف واتجاه نحو قعر الهاوية.