هل نفهم الفن… أم نخاف ألا نفهمه؟

في عام 2010، صنفت موسوعة غينيس سلسلة الأفلام الشهيرة ”Saw“ كأنجح سلسلة رعب في التاريخ. بعد ذلك بسنوات بدا أن جميع من حولي منتشٍ بهذا النجاح، الجميع باستثنائي. ولأني أردت أن أكون مثل البقية، فإنني كنت أرغب في أن أضيف بصمتي الشخصية حول الموضوع، من قبيل الاعتراف بأنه أثر بي كسلسلة أو جعلني أنظر للأمور بمنظور مختلف. وكان دافع قولي هذا هو رغبة الشعور بالانتماء، حتى لا أكون الشخص الذي لم يتابع جميع أجزائه أو الذي عابها.
وهذا جعلني أفكر: هل نظرتنا الفنية تأتي من شعورنا الفعلي بالرضا حول العمل الفني، أم من الهيبة الاجتماعية التي تفرض علينا الرغبة بأن ”نبدو مثل الجميع“؟
وهذا الحديث لا يعني إلغاء ذوقيات أي من رواد هذا النوع من الأفلام، بل إن الموسيقى التصويرية لهذه السلسلة حظيت بتقدير واسع. ولي أن أتحدث عن الطريقة المبتكرة في الفخاخ أو جمالية التصوير ذاته… لكن مع كل ذلك، كانت لدي إجابة واحدة لم أكن أريد أن يسمعها أحد:
هذا لا يعجبني، وهو لا يمثل ذوقي بأي شكل من الأشكال.
جعلني هذا أتذكر مقولة عالم الاجتماع بيير بورديو: ”الذوق يُصنَّف، ويُصنِّف صاحبه“. بمعنى أن الذوق ليس بريئًا، بل يُستخدم لتمييز الطبقات وإظهار ”الرقي الثقافي“.
ويتكرر ذلك في الكثير من الفنون، آخرها كان مشاهدتي للوحة الموزة الملصقة بالجدار، والتي بيعت منها نسخ بآلاف الدولارات. حينها هز الجميع رأسه بالموافقة واشتراها بإعجاب. فهل كانوا يفهمون الفن فيها؟ أم كان حب الإشادة هو الدافع؟
الساخر هنا أن الفنان نفسه لم يبع لهم العمل نفسه، بل باعهم ”شهادة أصالة“، وهي شهادة رسمية تثبت أن العمل تابع له وأن المشتري يملك النسخة الأصلية من الفكرة. وربما خشي المشتري ألا يبدو ”بالعمق الكافي“ حينما يصف العمل بأنه تافه. وربما أراد البعض الآخر ألا يشتري العمل الفني فحسب، بل أن يشتري موقعًا داخل دائرة الفهم.
وهنا يصبح قول بروتاغوراس ”الإنسان مقياس كل شيء“ أكثر إزعاجًا مما يبدو. فنحن بشكل ملتبس مقياس الصالح والطالح، الجميل والقبيح. نتفق ضمنيًا وظاهريًا، ونتبع بعضنا بعضًا في الأحكام الفنية. ننسى اختلافاتنا لأننا نرى انعكاسنا في ما نعتقد أنه ذوق عام. فاللوحة التي ندعي إعجابنا بها قد تكشف رغبتنا بالمكانة والقبول.
وعلى الضفة الأخرى، كان أفلاطون يشير إلى العمل الفني بكونه محاكاة للمحاكاة، وبالتالي بعيدًا عن الحقيقة ثلاث درجات. وكان ينتقد الفن الذي يخدع المشاعر أو يعطي انطباعًا بالمعرفة دون معرفة حقيقية. فإذا كان أفلاطون ينتقد الفن لأنه يبتعد عن الحقيقة عبر التقليد، فإن بعض الأعمال المعاصرة، ومنها عمل الموزة، تطرح سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث حين لا يعود هناك ما يُقلَّد أصلًا؟
ولهذا يمكن أن نرى الموضوع من جانبين:
أولًا، جانب يتحدث عن عدم الإعجاب حتى مع توفر المعايير الفنية واحترام الجمهور المنجذب لنوع من الفن.
ثانيًا، جانب يحتقر رؤية الناس لبعض الفنون التي تفتقر إلى الإبداع، ويعلم أن التطبع معه يغذي حاجتهم للقبول الاجتماعي لا أكثر.
فإذا كان الفن هو ما تعترف به المؤسسات، فإن الموزة تستحق مكانها على الجدار. أما لو كان الفن تعبيرًا أو جمالًا أو تمثيلًا، فقد لا تكون أكثر من موزة أضيف لها سياق جعل الاعتراض عليها جهلًا.
وما يثير الالتباس في أعمال مثل ”الموزة“ أنها تنتمي إلى ما يُعرف بالفن المفاهيمي؛ حيث لا تُقاس القيمة في المادة نفسها بقدر ما تُبنى على الفكرة والسياق.
وإذا أردنا فهم ذلك جيدًا علينا أن نعرف أن سياقها كعمل فني لا يظهر من فراغ، بل يدخل ضمن دائرة ما يمكن تسميته ”بعالم الفن“. وبهذا نعود لنقول إن قيمة العمل الفني تظهر من شبكة الاعتراف التي تحيط به، بحيث تسهم المؤسسات والمعارض والنقاد في صنع المعنى الفني له. فالمعرض يلعب دوره كجزء في إنتاج القيمة، لأنه يحدد طريقة النظر إليه.
حتى إضاءة المعرض توجه الانتباه، وتضع العمل في إطار يمنحه معنى مختلفًا عما لو كان خارجه. فداخل فضاء المعرض ترى اللوحة بشكل مختلف تمامًا.
ولهذا يبدو من المؤسف أن الفن أحيانًا قد لا يكون فيما نراه، بل بما يحدث حولنا ونحن نحاول تثبيت موقفنا تجاهه. فبعض الأعمال لا تُقاس بقدرتها على الإعجاب، بل بقدرتها على دفعنا إلى اتخاذ موقف سريع: إعجاب أو رفض، وكأن العمل الفني لا ينتج معنى بقدر ما ينتج أحكامًا جاهزة. وفي هذه السرعة يتعرى شيء أعمق: الحاجة إلى الاستقرار في موقف واضح، لذلك نميل إلى تصنيف التجربة بدل البقاء داخلها. وهكذا يتحول الفن من مساحة للتأمل إلى حكم سريع.
سيكون الموضوع أسهل للفهم حينما نلقي نظرة على هرم الاحتياجات لماسلو، حيث تأتي الحاجة إلى الانتماء والتقدير في مقدمة ما يفسر أفعالنا. وبالتالي لم يكن إعجابي بسلسلة ”Saw“ موقفًا فنيًا، بل موقفًا اجتماعيًا ورغبة في أن أكون داخل الجماعة لا خارجها.
وليس ما أردت قوله هو رفض العمل الفني أو التمرد عليه، بل توضيح منطلقاته لجعل الحكم مناسبًا لها. فعندما أتكلم عن ”Saw“ أستطيع أن أضعها كسلسلة رعب داخل سياقها الفني، وأن أقرأ منطلقاتها بوصفها عالمًا قائمًا على الصدمة والاختبار الأخلاقي. هناك مساحة تسمح لي بالقبول دون أن أتبعها.
لكن في المقابل، هناك أعمال لا تقدم نفسها كجمال يمكن تأمله، بل تفرض نفسها كإشكال يجعلك تتساءل عن جدواه، وهنا لا يكون الخلاف مع العمل فقط، بل مع الإطار الذي يطلب منك أن تمنحه قيمة.
ولهذا يقول إيمانويل كانط: ”الجمال هو ما يسر دون مفهوم“.
وهنا تتضح المفارقة؛ فبعض الأعمال يمكن أن تُفهم حتى عند رفضها، وبعضها لا يُختبر كجمال بل يجعلك تراجع معنى الجمال نفسه.
وإن كان هناك من سيطرح إشكالية أننا نحاول ”جعل الفن منطقيًا“، في حين أنه يعتمد على الإحساس، وما إن نحوله إلى لغة مباشرة حتى نفقد شيئًا من طبيعته. لكن تساؤلي الحقيقي هو أنه إذا فقدنا الإحساس، فماذا يبقى من الفن؟
إذا جعلناه مفرغًا من معناه وخاضعًا لذوق مفروض علينا من آخرين يحددون كيف نراه ونقيّمه، فإنه يفقد جوهره.
وبالتالي يصبح الإشكال ليس في الفن ولا في المتلقي، بل في العلاقة بينهما.
فالفن لا يفرض نفسه علينا بالقوة، ولا نحن نستقبله ببراءة كاملة، بل يحدث بين الطرفين نوع من التواطؤ الصامت. وحين نخرج من هذا التواطؤ نكتشف أن السؤال لم يكن عن العمل الفني، بل عنا نحن: عن حدود صدقنا في التعبير، وعن المسافة بين ما نشعر به وما نقوله.












