آخر تحديث: 8 / 4 / 2026م - 11:48 م

انكسار خفي بين قولٍ وغياب

وجهتُ لك دعوةً عاريةً من ضجيج البشر، دعوةً خرجت من عالمي الصغير الذي كنت أراه جميلًا بما يكفي ليحتمل هشاشتي. دعوتك لا لأنك الأقرب، بل لأنك كنت الأصدق في ظني. يومها، لم يكن في صوتي ارتجاف خجل، بل صفاء حاجةٍ لا تعرف التجمّل. مددتُ يدي كما هي، بلا رتوش، بلا ادّعاء قوةٍ زائفة.

فاستجبتَ… لا بالفعل، بل بالوعد.

رحّبتَ بندائي بحرارةٍ أوهمتني أن الطريق قد اختُصر، وأن العوز الذي أثقلني بدأ يخفّ قبل أن يُمسّ. لم تعطِ، لكنك فتحت باب الرجاء على مصراعيه، ووقفتَ عند عتبته بكلماتٍ بدت كافية لتطمئن قلبي. في تلك اللحظة، لم أشعر فقط بالامتنان، بل بشيءٍ أعمق… شعورٌ بالارتياح، كأنني لم أعد وحدي في مواجهة ما يرهقني.

لكن الطمأنينة التي تُبنى على الوعد… هشة.

غادرتَ. لا، لم تكن مغادرة عابرة، بل هجرة صامتة، خالية من التفسير، كأنك سحبت كلماتك معك وتركتني مع صداها. لم تترك سببًا، ولا حتى ذريعةً صغيرة أعلّق عليها ارتباكي. هناك فقط، في تلك المسافة بين ما قيل وما لم يحدث، بدأ الاستحياء يتحول إلى خجلٍ ثقيل. خجلٌ من أنني صدّقت الوعد، أو ربما من أنني علّقت عليه ما لا يحتمل.

وهنا، تنكشف الحكاية الأوسع…

فالإنسان، في تفاصيله الدقيقة، لا ينهكه الحرمان بقدر ما ينهكه الوعد المؤجّل. ليس العطاء وحده ما يُقيم العلاقات، بل الصدق في القدرة عليه. بعضهم لا يخذلنا لأنه لا يستطيع، بل لأنه يُوهمنا بأنه يستطيع. يفتح بابًا لا ينوي عبوره، ويمنح طمأنينةً مؤقتة، ثم ينسحب تاركًا خلفه فراغًا أشدّ قسوة من العوز نفسه.

في لحظات الحاجة، لا نكتشف فقط من يقف معنا، بل من يملك شجاعة الوضوح. فالصمت الصادق أرحم من وعدٍ لا يكتمل، والاعتذار المبكر أكثر إنصافًا من حضورٍ مؤجّل لا يأتي.

الأقنعة لا تسقط دائمًا بصخب، أحيانًا تذوب في المسافة بين الكلمة والفعل. وعدٌ دافئ، يليه غيابٌ بارد… وهنا تتشكّل الحقيقة، لا فيما قيل، بل فيما لم يحدث.

ربما لم تكن تقصد أن تترك هذا الأثر، وربما كنتُ أنا أكثر قابليةً للتعلّق بخيطٍ من أمل. لكن ما حدث يظل درسًا صامتًا: أن الكلمات، مهما بدت صادقة، لا تكتمل إلا إذا حملتها الأفعال.

هكذا الإنسان…

لا يبحث فقط عمّن يعطيه، بل عمّن لا يزرع فيه انتظارًا بلا حصاد. فبعض الوعود، حين لا تُنجز، لا تُعتبر مجرد نقصٍ في الفعل، بل زيادةٌ في الخيبة.

وفي النهاية، يبقى في النفس إدراكٌ هادئ:

ببطء.. أن نُصغي لا لدفء الكلمات، بل لصدق ما يُترجم منها حين تُختبر في الفعل، حيث لا يبقى من النوايا إلا ما استطاع أن يعيش خارج حدود القول.

دكتوراه الآدب والنقد والبلاغة
دكتوراه في فلسفة العلوم النفسية
ناقدة خطاب ثقافي معاصر، أستكشف كيف تتحول الكلمات إلى سلطة، وأكشف عن تمثلات الهوية والقيم التي تشكّل الخطاب الاجتماعي والأدبي.