آخر تحديث: 8 / 4 / 2026م - 11:48 م

فنجان الهوية.. ”القهوة السعودية“ في ميزان التراث والأدب

زكي الجوهر *

شهد مساء الثلاثاء 19 شوال 1447 هـ، الموافق 7 أبريل 2026 م، احتفاءً ثقافياً مميزاً نظمته الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بمحافظة الأحساء، حيث أُقيم حفل توقيع كتاب ”القهوة السعودية: بحث عن القهوة وأجمل ما قيل فيها من الشعر“ للشاعر والإعلامي والباحث التراثي راشد القناص. وأقيمت الأمسية في غرفة الأحساء، وسط حضور نخبوي لافت، وقدمها الأستاذ طارق عبدالله الفياض. ويعد هذا الإصدار هو الكتاب العشرون للمؤلف، بما يعكس عمق تجربته واستمرارية عطائه في توثيق الموروث الوطني.

وجاءت الأمسية جامعة بين التوثيق الرصين والذائقة الأدبية، لتعيد طرح القهوة السعودية بوصفها عنصراً يتجاوز حدود العادة اليومية، ويترسخ كجزء أصيل من الذاكرة الثقافية والمجالس والهوية المحلية. وتمثل مثل هذه الإصدارات إضافة نوعية للساحة الثقافية، بما تقدمه من مادة معرفية تستحق القراءة والتأمل.

ورغم شيوع القول بأن موضوع القهوة قد استُوفي بحثاً في الأدبيات العربية والسعودية، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذا المجال، على اتساعه، لا يزال بحاجة إلى مزيد من الجمع والتحرير والتصنيف، لاستكمال صورته العلمية بما يليق بقيمته الثقافية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يبرز كتاب القناص كإضافة جديدة تسهم في إثراء المادة المعرفية، وتحفز الاهتمام بدلالات القهوة وحضورها في الثقافة المحلية، مؤكداً أن مثل هذه الجهود تمثل تراكمًا معرفيًا مطلوبًا، لا تكرارًا.

ويأتي هذا العمل امتداداً لمسيرة المؤلف، الذي يشغل رئاسة منتدى الأدب الشعبي بجمعية الثقافة والفنون بالأحساء، وعضوية التأسيس في جمعية التراث السعودي غير المادي، إلى جانب عمله خبيراً في حصر وأرشفة التراث لصالح مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. وقد تصدّر الكتاب مقدمة تحليلية للدكتور عثمان الصيني، رئيس تحرير جريدة الوطن، وصف فيها المؤلف بأنه من أبرز المهتمين بالتراث، مشيراً إلى نجاحه في تقديم القهوة بوصفها قيمة اجتماعية وثقافية متعددة الأبعاد، لا مجرد ممارسة يومية.

وفي متن الكتاب، يوثق القناص تنوع القهوة السعودية واختلاف نكهاتها باختلاف المناطق؛ إذ تمتاز القهوة الحساوية بإضافة الهيل والزعفران والقرنفل، بينما تعرف القهوة الحجازية بالمستكة، وتبرز القهوة الجنوبية بنكهات الزنجبيل والقرفة والسنوت. كما يستعرض نصوصاً تاريخية تشير إلى بدايات انتشار القهوة، لافتاً إلى ظهور المقاهي في مكة المكرمة في أوائل القرن العاشر الهجري، بما يعكس ارتباطها بالمجتمع والحياة اليومية آنذاك.

ويفرد المؤلف مساحة خاصة لما يمكن تسميته بـ ”ديوان القهوة“، حيث جمع مختارات من الشعر الفصيح والنبطي التي تناولت تفاصيلها، من أدوات إعدادها إلى حضورها في المجالس. كما حمل إهداء الكتاب طابعاً وجدانياً، عبّر فيه المؤلف عن تقديره لعشاق القهوة ومحبي الشعر، مقدماً عمله بوصفه انعكاساً لهذا التلاقي بين الذائقة والذاكرة.

كما يتناول الكتاب الجهود الوطنية الحديثة في تعزيز حضور القهوة السعودية، ومن ذلك مبادرة ”عام القهوة السعودية 2022“ التي أطلقتها وزارة الثقافة، بهدف ترسيخ هذا المكون بوصفه رمزاً من رموز الهوية الوطنية.

ويختتم القناص كتابه بالتأكيد على أن تاريخ القهوة مجال واسع ومتجدد، لا يزال يحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة، مقدماً عمله كإسهام معرفي يسعى إلى حفظ هذا الموروث، وتعزيز حضوره في الوعي الثقافي.