آخر تحديث: 3 / 4 / 2026م - 9:45 م

بين مرجعية القرآن ومصادرة النموذج..!.

الدكتور محمد المسعود

مقالة «حسبنا كتاب الله».. تستيقظ على غفلة!

فهي تتحرك من مطلقات القرآن الكريم في وصفه لذاته بأنه بيان للناس، وتفصيل لكل شيء، وأن الرسول قد أتم للناس دينهم وأتم عليهم نعمة الله بهذا الكتاب ورضي لهم الإسلام دينًا، في غير نقص، تامًا كاملًا كليًا معصومًا متعاليًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يهدي للتي هي أقوم وهذا بتمامه حق لا ريب فيه.

إلا أن الثابت أن كل وحي من الله يتنزل على روح مصطفاة متعالية أعدت لتستوعبه ولترتفع إليه وتمتصه بوعيها وطهرها وصفائها، فيظهر حنان الله وعظيم محبته وإجلاله لذاك المزمل، ليطوي ساعات الليل بين يديه لتترقى روحه إلى الوحي بتمامه جمالًا وكمالًا وثقلًا:

﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل: 1-6].

إنه اصطفاء من الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [الحج: 75-76].

لعلم الله تعالى الأزلي وكونه بصيرًا عالمًا بما في الصدور، ويعلم السر وأخفى.. كل رسول هو نقي بالقدر الذي يؤهله لتلقي طهر الوحي، وإدراك معناه: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: 79]. طهارة الذات شرط مقاربة الوحي.

هذا يجعلنا نقترب من معنيين أوليين:

الأول: استحالة استيعاب الوحي المنزل دون من أنزل عليه، وذلك لأن الوحي تجربة فردية غير قابلة لإدراك حقيقتها وكينونتها ومعنى الموحى به خارج ذات وإدراك ووعي الموحى إليه؛ فلا يدرك الوحي من لم يتنزل عليه، ولا يستوعب من خارجه.

والثاني: استحالة أن ينفك «الموحى به» عن الحكمة العملية التي تصيره حياة تلامس واقع الناس، وتستوعبه عقولهم، وتستبقي الطمأنينة في قلوبهم؛ فالمعرفة التي لا تصلح حاملها، ولا تنيره، ولا تصلح حياته ومعيشته؛ معرفة عابثة وعدمية.

ولذا يأتي تلازم الحكمة مع كل رسول.

في دعاء نبي الله إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة: 129].

ويقول الله لعيسى : ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ [المائدة: 110].

وفي وصف نعمة الله على المؤمنين: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران: 164].

هذا التلازم الذي لا ينفك ولا ينفصل ولا يتباعد بين الوحي والحكمة العملية والمعرفية على من أنزل عليه.

في دلالة اللغة العربية: الحكمة مصدر من «حَكَمَ»، وأصلها «المنع»؛ لأنها تمنع صاحبها من الجهل والطيش. وقيل: هي الإتقان في القول والفعل. ومنه سُميت حكمة اللجام «التي تمنع الدابة».

في الاصطلاح والمعنى، تعددت تعريفات العلماء، وأدقها يراعي جانبين:

• الجانب النظري: معرفة الحقائق على ما هي عليه، وإدراك أسباب الأشياء وغاياتها.

• الجانب العملي: وضع كل شيء في موضعه اللائق به، والعمل بالعلم النافع.

يقول شيخ البلاغيين الراغب الأصفهاني: «الحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل».

ويعرفها العلامة اللغوي الجرجاني: «معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم».

هذه الحكمة الملازمة لكل رسول هي التي تعني معرفة حقائق الوحي، وتنزيله للناس بالشكل اللائق به، بأفضل العلوم والوسائل؛ لأن وظيفته تقديم النموذج بتفاصيله التي هو عليها حفيظ عليم.

الرسول لا يشارك الله في التشريع، ولكنه يتصدى للتفاصيل: «خذوا عني مناسككم»، «صلوا كما رأيتموني أصلي». القرآن يشرع الأصول الكلية «الحج، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة...» وتطبيقها ومفاعيلها يتولاها النبي الرسول. وإصرار الوحي المستدام على الإحالة على النموذج الموحى إليه، بوصفه هو الذات الحقيقية البشرية التامة للوحي، وما ينطقه هو تعبير عن الوحي ذاته ومجرد عن أناه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى [النجم: 1-7].

ولهذا لم يفرق القرآن بين طاعة الله وطاعة رسوله، وجعلهما متلازمين لا ينفكان ولا ينفصلان، بوصفهما وحدة موضوعية واحدة، وفرض على المؤمنين فريضة الطاعة والاتباع لرسوله:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31]

﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158]

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21]

﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 157]

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: 153]

وفرض الله تعالى على المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات «الاتباع المطلق له» في قوله وفعله وأمره ونهيه، والتسليم إليه من غير حرج في النفس من هذا كله.

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء: 59]

﴿وَمَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: 80]

﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور: 56]

﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158]

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: 7]

طاعة الرسول هي ذاتها طاعة الله، وهي السبيل لرحمة الله، وهي الهداية.. هي البلاغ إليه، والرحمة والهدى منه.

وبهذا، مقولة «حسبنا كتاب الله» مقولة أقرب للزيغ منها للهدى، فلا يتجرد الكتاب من النموذج الموحى إليه في بيانه، والوحدة التشريعية لمجمله، وإقامة أحكامه، وهذا ما اقتضى تنجيم نزوله في ربع قرن يمتد في حياة النبي الرسول وحياة المؤمنين به.

وبهذا نتيقن الحقيقة الكلية للرسالة والرسول: «إني تارك فيكم كتاب الله وعترتي»، و«كتاب الله وسنتي لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».

العترة وصحابته الأبرار هم من تحيي سننه وتؤتمن على نقلها وإبلاغها، عترة النبي ﷺ، هم المؤتمنون على سنته وعلى النموذج للرسالة وسننها والمنظومة التشريعية التنفيذية للوحي الأول.

وأختم مقالي بالمثال التالي:

حين تأمر معلّمًا أن يعلّم ابنك الأخلاق الفاضلة، فيصدر المعلم الأوامر والنواهي الموصلة لتحقيق ما طلب منه؛ يكون قد امتثل تمام أمرك أنت، وكل أمره وزجره هو تحقيق لأمرك الكلي بتعليم الأخلاق الفاضلة لابنك. وبذا تصبح كل أوامره مقدمة واجبة لتحقيق الواجب الأول! تشريع المعلم هو ممّا لا يتم الواجب إلا به، فهي واجبة بالتبع للواجب الأول. وهذا ما ينطبق على السنة الثابتة عن الرسول ﷺ وما يوجبه من أحكام.

وبذا لا تنفك مرجعية الكتاب عن سنة الرسول المنزل عليه ولا عن النموذج الذي أتمه في ستة عقود كاملة من التحضير للوحي إلى جعله نموذجًا من خلال العمل به.

فلم يزل القرآن في تجلياته العظمى يحيل إلى النموذج الأسمى بجعله الأسوة ولزوم طاعته وعدم مفارقة أتباعه بالمطلق، وهي سيرة الأخيار من عترته وصحابته الأبرار.

وبذا مرجعية القرآن الكريم تحيل بالضرورة إلى الرسول ﷺ في سننه كلها وإليه بتمامه قولًا وفعلًا وتقريرًا؛ فهو النموذج والأسوة التي لا يتم الإسلام دون اتباعه وتمام طاعته. وهذا ما أعنيه بأن مقولة مرجعية القرآن وحده، و«حسبنا كتاب الله» مقولة تستيقظ على غفلة، ونصيبها من الصواب ضئيل، وحظها من الرشد قليل.