مزمار الحي يطرب إن أنصتنا..
في مواسم الأعياد والمناسبات، تتلألأ صور العائلات وهي تجتمع حول الموائد العامرة، تتبادل الأحاديث والابتسامات، وتوثّق اللحظات بعدسات الهواتف لتبقى ذكرى حيّة في الذاكرة. هذا المشهد البهيّ ليس مجرد اجتماع أجساد حول أطباق، بل هو رمزٌ لوحدةٍ ودفءٍ نحتاج أن نمدّه من المائدة إلى القلوب.
فكما تلتف الأيدي حول الطعام، يا حبذا لو تلتف النفوس حول قيم الحب والخير، فيغدو اجتماعنا أكثر من مجرد صورة تُنشر، بل رسالة تُعاش. إنّ جمال العائلة لا يكتمل باللقاء وحده، بل بالاحتفاء بمن يضيئون الدرب بخدمتهم وعطائهم، أولئك الذين يعملون بصمتٍ وإخلاص، ويستحقون أن نرفعهم بقلوبنا كما نرفع الأكف بالدعاء.
وهنا يطلّ علينا المثل الشعبي القديم: ”مزمار الحي لا يطرب“. وهو تعبير عن تلك المفارقة التي تجعل المبدع أو الخيّر في محيطه أقل تقديرًا من الغريب، وكأنّ القرب يُفقد العيون دهشتها، ويجعلها عاجزة عن رؤية الجمال في من اعتادت عليه. كم من أشخاصٍ بارزين في العائلة أو المجتمع قدّموا خدمات جليلة، لكنهم لم يجدوا إلا التهوين أو التجاهل، بينما نالوا التقدير من خارج محيطهم.
في كل عائلة، وفي كل مجتمع، هناك وجوه بارزة تحمل على عاتقها عبء العطاء، وتنسج بخيوط الصبر والجدّ لوحة من الخير والخدمة. هؤلاء لا يطلبون ثناءً ولا يسعون وراء شهرة، بل يقدّمون أعمالهم بصدقٍ وإخلاص، كمن يغرس شجرةً في أرضٍ قاحلة، منتظرًا أن يستظل بها غيره.
إنّ هؤلاء المبدعين يستحقون أن نرفع لهم القبعة، وأن نمدّ لهم يد العون، لا أن نكسر أجنحتهم. فالمجتمع الذي يكرّم أبناءه المخلصين، ويشجّعهم على الاستمرار، إنما يزرع بذور النهضة في أرضه، ويؤسس لثقافةٍ تُلهم الأجيال القادمة. وما أجمل أن يكون هذا التكريم في حياتهم، وهم بيننا، لا أن ننتظر رحيلهم لنستحضر ذكراهم. فالتقدير في أوانه حياةٌ تُمنح، لا مجرد كلمات تُقال بعد الفقد.
علينا أن نتعلّم أن الشكر لا ينقص منّا شيئًا، بل يزيدنا رفعةً ونقاءً. وأن التقدير لا يُضعف مكانتنا، بل يقوّي روابطنا ويجعلنا أكثر إنسانية. أمّا الغيرة والحسد، فهما سمّان يقتلان روح الجماعة، ويطفئان نور المبدعين.












