السعادة بين وهم المال وحقيقة الداخل
قد تصادف يومًا رجلًا يمتلك من المال ما مكّنه من شراء منزلٍ وسيارةٍ جميلة، لكنك تتفاجأ بأنه غير سعيد؛ إذ ابتُلي بكثير من الأمراض النفسية كالقَلَق، إضافةً إلى مشكلاتٍ عائلية في منزله، فيعيش حالة من التدمّر الداخلي، ويرى كل أمرٍ بنظرةٍ قاتمة.
وفي المقابل، تجد رجلًا من ذوي الدخل المحدود، مقتنعًا بقسمته، مرتاح البال لاستقراره النفسي والعائلي، يرى أن الحياة جميلة كما هي.
فكيف يكون ذلك، ونحن معتادون على أن المال الكثير هو السعادة بذاتها؟ في الحقيقة، هذا وهمٌ وخطأ في التفكير؛ فالمال ليس هو السعادة، بل هو مجرد أداة من الأدوات المساعدة على تحقيقها. قد يهيّئ المال الظروف المريحة، لكنه لا يشتري الطمأنينة، ولا يهب الرضا الداخلي. لا يخفى على أحد أن السعادة منبعها ومنشؤها داخل كل إنسان، كما أنها تختلف من شخصٍ إلى آخر؛ فقد تجدها لدى إنسانٍ في أمرٍ لا يراه غيره كذلك. فسعادة أحدهم في السفر، بينما يجد الآخر سعادته في البقاء في وطنه.
وبعض أنواع السعادة مؤقتة؛ فعندما يكون الإنسان جائعًا ويجد ما يسدّ جوعه، يشعر بالسعادة، وما إن تنتهي شهوة الجوع، تنتهي تلك الحالة. وقِسْ على ذلك كثيرًا من الغرائز الإنسانية.
أما السعادة الحقيقية، فهي كامنة داخل كل إنسان، وهو الذي يُبرزها؛ وكل ما هو خارج عنه إنما يُعدّ من الأدوات المساعدة على ذلك. وقد تكون القيم الذاتية هي منبع السعادة؛ فلو كانت لدى الإنسان قيمة الكرم والعطاء، فإن سعادته تكمن في تفعيل هذه القيمة وممارستها، لما تعود عليه من شعورٍ بالرضا والسرور. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف أكتشف القيمة القوية في داخلي لأفعّلها وأمارسها عمليًا وأستفيد منها؟ يكمن الجواب في محاسبة النفس، والتفكّر بهدوء فيما يحرّكنا من الداخل، وما يبعث فينا الشعور بالرضا والطمأنينة.
كما يمكن الاستعانة بالمقرّبين؛ فهم قد يرون فينا صفاتٍ خفية لا ندركها.
فبمجرد أن ننسجم مع النتائج التي نتوصل إليها، نكون قد لامسنا قمة السعادة الحقيقية. إذن، السعادة لا تُجلب من الآخرين، بل تنبع من الذات وتُمنح لهم؛ فعندما تعطي من مالك ووقتك في خدمة غيرك، تشعر بالسعادة، وتُسعد من حولك.












