علِّموهم ”عشق“ هذا الوطن
منذ قدومنا إلى الحياة صرنا نتنفس هواءها الذي يغذينا مع رشفات اللبن. نطلق صرخاتنا بلا شعور حين يعترينا الألم، فتحتوينا أكف أمهاتنا، تربّت على أجسادنا الصغيرة حتى تغفو جفوننا على مهدٍ يفترش أرضها، فننام قريري العين في أمنٍ وأمان، مطمئنين حتى يأتي وقتٌ آخر للطعام. وهكذا كنا في كل يومٍ وكل شهر، وسط لفيفٍ من الأهل والأحبة، فرحين بنمو حواسنا واتساع إدراكنا لما حولنا.
كبرنا، وحين وطئت أقدامنا ترابها للمرة الأولى، كانت تلك الأرض التي ارتبطت بنا وارتبطنا بها… أرض موطننا. على أرضها بدأت خطواتنا الأولى، ومنها انطلقت مسيرتنا في دروب العلم والعلياء. في كنفها عشنا، وكلما غادرنا حدودها اشتد فينا الشوق والحنين لنعود إلى أجوائها قبل أراضيها، حتى صار سماها وسحابها جزءاً من ذاكرتنا ووجداننا.
درسنا في مدارسها، وتعلمنا أن هذه الأرض التي أصبحت لنا وطناً لها حدودها الجغرافية بين جيرانها، ويمثلها علمٌ يكتسي باللون الأخضر وراية التوحيد، يرفرف عالياً على رأس ساريةٍ عالية يمثل اعتزازنا بتلك الأرض؛ إنها المملكة العربية السعودية. ومنذ ذلك الحين أصبح اللون الأخضر رمزاً في داخلي لوطني، أفخر بالانتماء إليه وأعتز بالانتساب إليه.
ومع الأيام أدركنا أن الوطن ليس مجرد أرضٍ نعيش فوقها، بل روح تسكن فينا وتكبر معنا. تعلمنا أن حبه لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالفعل والعمل والإخلاص. في فصول الدراسة، وفي أحاديث المعلمين، وفي قصص الآباء عن تاريخ هذه البلاد، ترسخت في نفوسنا معاني الوفاء والانتماء، وأن لكل جيلٍ دوره في صون هذا الوطن والحفاظ على مكانته بين الأمم والذود عنه.
وحين نعلّم أبناءنا عشق الوطن، فإننا لا نلقّنهم شعاراتٍ عابرة، بل نغرس في قلوبهم معنى المسؤولية تجاه أرضٍ منحتهم الأمان والهوية، في ظل قيادةٍ حكيمة تضع أمن المواطن ورفعة الوطن في مقدمة أولوياتها. نحدّثهم عن رجالٍ بنوا، وعن تضحياتٍ صنعت الاستقرار، وعن وطنٍ جمع القلوب قبل أن تجمعه الحدود. فيكبر الطفل وهو يشعر أن هذا الوطن جزءٌ من كيانه، وأن خدمته شرف، وأن رفعته واجب.
وهكذا يصبح عشق الوطن قيمةً تتوارثها الأجيال، تنتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن قصةٍ إلى قصة. فإذا كبر الأبناء حملوا هذا العشق في أعمالهم وأخلاقهم قبل كلماتهم؛ يعملون لرفعته، ويذودون عن ترابه، ويدافعون عنه إذا ناداهم الواجب، مدركين أن كل ذلك على عظم قدره لا يوفي الوطن حقه. فالوطن ليس مجرد مكانٍ نعيش فيه، بل عهدٌ نحمله في القلوب، ومسؤوليةٌ تكتبها الأفعال قبل الأقوال، مصداقا لمعنى ”وطنٌ لا نحميه لا نستحق العيش فيه.“
ولهذا، علِّموهم حب هذا الوطن…عفواً، علِّموهم ”عشق“ هذا الوطن؛ ليشبّوا وهم يرونه أكثر من أرضٍ تحتضنهم، بل تاريخاً يسري في عروقهم، وهويةً تظلل أيامهم، ومستقبلاً يكتبونه بأيديهم. فإذا عرف الأبناء هذا العشق، ظلّوا في حضنه دوماً منعمين، وبقي الوطن شامخاً بعطاء أبنائه جيلاً بعد جيل.
دمت يا أجمل الأوطان دوما في عز ورخاء وفي أمن وأمان، وحفظ الله قيادتنا وشعبنا بكل الخير.












