آخر تحديث: 25 / 3 / 2026م - 9:28 م

متعة ألا تقرأ

يوسف أحمد الحسن * ‏صحيفة البلاد

هل في عدم القراءة متعة؟

بالتأكيد فإن هناك متعة في ذلك لا تشبه إلا متعة انتظار أمر جميل أو تأجيل القيام به حتى تتلذذ بذلك الانتظار أو تخشى من حصوله ثم انتهائه، كما يعني ذلك أنك ستكون بانتظار موعد مع أمر جميل جدًّا قد يكون أفضل من الموعد نفسه، على افتراض أن تخيُّل أمر قد يكون أفضل من حقيقة حصوله.

كما تأتي المتعة أحيانًا من التحول من قراءة كتاب أو نصّ مطبوع إلى سماعه صوتيًّا، أو مشاهدته تصويريًّا، أو سماع أو مشاهدة ملخص له بطريقة أو بأخرى.

أما المتعة التي يتحدّث عنها بعضهم، فهي متعة الكسل والاسترخاء واللامبالاة والركون إليها؛ وهي التي قال عنها المتنبي:

ذُو العَقْلِ يَشْقَى فِي النَّعِيمِ بِعَقْلِهِ

وَأَخُو الجَهَالَةِ فِي الشَّقَاوَةِ يَنْعَمُ

ألاّ تقرأ يعني أنك سوف تستعجل المتعة بأمور أخرى، وتستمرئ ما تقوم به بعيدًا عن القراءة ولو كان على حساب العلم الذي يُفترض أن تنهله منها، تمامًا كما قال الإمام الشافعي:

مَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً

تَجَرَّعْ ذُلَّ الجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ

فقد يترك بعضهم القراءة ويفضّل عليها مشاهدة فيلم عادي، أو الاستمتاع بلُعبة إلكترونية، أو تصفُّح مواقع التواصل الاجتماعي، كل ذلك تأثرًا بما يُسمَّى بـ «تأثير الإشباع الفوري»؛ وهو استعجال الحصول على فائدة ما على حساب فائدة مستقبلية أكبر، وإن كانت هذه الفائدة المعجَّلة ضارة أو فائدتها أقل.

هي متعة إذن لكنها على حساب أخرى أفضل منها، والخيار بيد القارئ أن يقرأ منتظرًا فائدة كبيرة مستقبلًا، أو أن يستمتع بنشاط آخر متعته فورية مع فائدة محدودة.

والسؤال المطروح هنا: ما الحل مع الكتب التي لا نستمتع بها؟

تركها والتحول إلى أخرى تعجبنا ونحبها ونتعلق بها؛ ففي العالم مئات الآلاف بل ملايين الكتب، ويمكننا أن نختار منها ما نحب؛ فالحياة أقصر من أن نتوقّف عند كتاب لا نحبه ولو كنا قد اشتريناه بأموالنا؛ فلا شيء يجبرنا على إتمام قراءته حينما نشعر بثقله على أنفسنا؛ وهو بالضبط ما كان يقوله الكاتب الأرجنتيني «خورخي لويس بورخيس»: «إذا أقلقكم كتاب، فاتركوه؛ هذا الكتاب لم يُكتب لكم؛ فالقراءة يجب أن تكون شكلًا من أشكال السعادة».

بل أكثر من ذلك؛ فإنه ليس بالضرورة أن تكره كتابًا لكي تتركه؛ يكفي أنه لا يسعدك، ولا يدل ذلك على فشلك أبدًا، ولا على نقص قدراتك القرائية؛ كل ما في الأمر أن هذا الكتاب لا يناسبك، مع أنه قد يكون أفضل كتاب لقارئ آخر. لذا ينبغي أن نعد التوقف عن قراءة كتاب لا يعجبنا هي متعة بحد ذاتها. كما أن التوقف عن القراءة من أجل استجماع طاقة قرائية للانطلاق مجددا هو أيضا متعة جدير بنا أن نجربها.

وإن كان الكتاب قليل الفائدة مع شعورك بالسعادة معه، فالأجدر بك أن تستمر في قراءته؛ لأنه مرتبط بالسعادة في زمن تكثر فيه خيارات السعادة والاستمتاع، ويقل فيه الإقبال على الكتاب.

*«عادة القراءة هي المتعة الوحيدة التي لا زيف فيها؛ إنها تدوم عندما تتلاشى كل المتع الأخرى». الروائية البريطانية «أنتوني ترولوب».