من عمق الآيات إلى ضوء الابتسامة
لا شكّ أن المنهج الخالد الذي أرساه أمير المؤمنين
في الجمع بين الآيات، منهجٌ يكشف عن عقلٍ يلتقط الخيط الخفي بين النصوص، فينسج منه حكمًا يضيء الطريق دون إطالة ولا تعقيد وخلاصة القصة، في أنقى صورها.. أن امرأةً وُلد لها مولود لستة أشهر، فداخل الناسَ الشك، حتى رُفع الأمر إلى الإمام علي
فجمع بين قوله تعالى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [1] وقوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [2] .
فاستنبط من تآخي الآيتين أن أقلّ مدة الحمل ستة أشهر، فانكشفت الحقيقة، وثبتت براءة المرأة، وصارت هذه القاعدة الفقهية مثالًا يُروى على دقّة الاستنباط ونفاذ البصيرة. [3]
ومن هذا المنهج، وإن كان فقهيًا خالصًا، لا بأس لمن يملك شيئًا من التأمّل أن يتعلّم كيف يجمع بين الآيات القرآنية؛ شريطة ألّا يبالغ في اجتهاده ما دام غيرَ متخصص، وفي عين الوقت ألّا يفوّت على نفسه فرصة الإفادة من هذا الأسلوب، ومن نور التدبّر القرآني، ويبقى للمتخصص الرأيُ الفصل، توجيهًا كان أو إشادة، فهم الأقدر على وزن الاجتهاد بميزان العلم، وعلى ردّ الأمور إلى نصابها.
ولهذا وقفتُ طويلًا عند الجمع بين الآيتين الكريمتين:
﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [4] والآية الأخرى ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ • لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [5] .
فالأولى لسانُ حال قائلها قبل الممات، يطلب فسحةً ليقدّم صدقةً تُلحقه بالصالحين، بينما الثانية تأتي بعد انكشاف الغطاء، حيث يطلب صاحبها الرجوع ليعمل صالحًا بعدما فات الأوان.
ولعلّ القاسم المشترك الأعمق بينهما هو الندم على تفويت فرصة الصدقة؛ تلك الفرصة التي لا تُدرك قيمتها إلا عند مفارقة الدنيا، حين لا يعود للإنسان إلا ما قدّم.
وفي هذا السياق، كثيرًا ما كنت أقف عند الحديث المروي عن النبي الأعظم ﷺ «تبسُّمك في وجه أخيك صدقة» [6] .
تأمّل - عزيزي القارئ - هذا التركيب النبوي الدقيق:
تبسّمك: يقول أهل اللغة.. زيادة المباني زيادة في المعاني؛ فجاءت الصيغة بصيغة التفعّل، لتدلّ على ابتسامةٍ مقصودة، أوسع أثرًا من مجرد «بسمة» عابرة.
أخيك: لم يقيّد النصّ الأخَ بوصفٍ دينيّ أو اجتماعي؛ فلم يقل مثلاً «أخيك المسلم» أو «أخيك المؤمن»، بل جاء اللفظ نكرةً في سياق الإضافة، ليشمل أخوة الدين، وأخوة النسب، وأخوة الإنسانية، فإن كان أخًا في الإنسانية فهو آكد، وإن كان أخًا في الإيمان فهو آكد وآكد.
صدقة: وهنا تتجلّى دقّة التعبير النبوي؛ لماذا قال ﷺ «صدقة» ولم يقل «حسنة»؟
لأن كلمة صدقة في اللسان العربي والشرعي أعمق دلالةً وأوسع أثرًا من كلمة «حسنة»، حتى حين تُستخدم في معناها غير المالي.
فالجذر ص د ق يحمل معاني:
• الصدق
• الإخلاص
• البرهان العملي على الإيمان
وكأن النبي ﷺ يقول.. إن ابتسامتك ليست مجرد لفتة لطيفة، بل دليل صدقٍ في قلبك، وبرهان إيمانك.
ثم إن الصدقة تُشعر بالعطاء؛ فالابتسامة هنا ليست حالةً نفسية داخلية، بل عطاءٌ يقدّمه الإنسان لغيره، والعطاء هو روح الصدقة، كلمة «حسنة» لا تُشعر بهذا البذل بنفس القوة والأبلغ من ذلك أن الصدقة في الشرع تقابل المال في الأجر؛ فكأن النبي ﷺ يفتح الباب لمن لا يملك مالًا، فيقول له: إن ابتسامتك قد تُعادِل في الأجر صدقةً مالية، وإن لم تُخرِج من جيبك درهمًا واحدًا، لو قيل «حسنة»، لفُهم أنها مجرد عمل صالح، لا أنها بديلٌ معنويّ عن الصدقة لمن ضاقت يده ثم إن الصدقة - بمالٍ أو بابتسامة - تُحدِث أثرًا اجتماعيًا؛ فالابتسامة تُصلح القلوب، وتُطفئ العداوات، وتشيع الألفة، وهذا عين الدور الاجتماعي للصدقة المالية، فجاءت الكلمة لتربط بين:
• أثر الصدقة المالية
• وأثر الصدقة المعنوية
لتقول لنا: إن إصلاح المجتمع لا يكون بالمال وحده، بل بالكلمة الطيبة، والوجه الطلق، والروح المعطاءة.
وهكذا تكشف البلاغة النبوية عن اختيارٍ دقيق للكلمة الأشد وقعًا؛ فلو قيل «حسنة»، لكان المعنى صحيحًا، لكنه أقلّ تأثيرًا، أما «صدقة» فهي كلمة تُوقِف السامع، وتدعوه إلى إعادة النظر في قيمة ابتسامةٍ قد يظنها هينة، وهي عند الله عظيمة.
ومن حيث بدأنا مع القارئ، نختم معه بكلمةٍ لأمير المؤمنين
«المؤمنُ بَشَرُهُ في وجهه، وحزنُه في قلبه» [7] والبَشَر - بفتح الباء - هو الطلاقة والابتسامة؛ وكأن الإمام
يرشدنا إلى أن الابتسامة حالةٌ تلازمية للمؤمن، وأنه يجيد الفصل بين شعوره الداخلي وتصرفه الخارجي، فيمنح الناس وجهًا طلقًا، ولو حمل في قلبه ما حمل.












