آخر تحديث: 22 / 3 / 2026م - 8:30 م

مَن يتقن لغته.. يتقن فهم ذاته

أمير بوخمسين

اللغة ليست كلمات نضعها على أفكار جاهزة، إنما هي القالب الذي تتشكل فيه هذه الأفكار. فحين نقول ”أنا“ أو ”نحن“، نحن لا نختار ضميرًا فقط، بل إننا نختار زاوية رؤية للعالم. حين يقول المتحدث ”نحن أخطأنا“ بدل ”أنا أخطأت“، فإن الدماغ يتلقى الإحساس بالذنب والتصحيح على أنه شأن جماعي، لا عبئًا شخصيًا خالصًا. أما في اللغات التي تكثر فيها الإحالة إلى ”أنا“، فإن مركز القرار الفردي يصبح أكثر حضورًا في التجربة النفسية اليومية، وكأن اللغة تدرب صاحبها على أن يرى نفسه أصل الحكاية ونهايتها.

إن اختلاف اللغة يعني اختلاف الإحساس بالنفس وبالآخرين وبالصواب والخطأ. بعض الشعوب الآسيوية مثل اليابانيين والكوريين، لغاتهم مليئة بصيغ الاحترام والتدرج الاجتماعي.

الفرد هناك يشعر أن قيمته في انسجامه مع الجماعة، لا في تميزه عنها. في المقابل، في لغات غربية مثل الإنجليزية، الضمير ”I“ حاضر بقوة. اللغة تُعوِّد المتكلم أن يرى نفسه مركز الفعل والاختيار. لذلك تنمو أخلاق تقوم على الاستقلالية، وعلى أن الإنسان مسؤول عن قراره وحده؛ هذه اللغة لا تلغي المجتمع، لكنها تجعل الفرد هو نقطة البداية.

هناك من يقول إن ”اللغة ليست فقط أداة للتعبير، بل نظام لتشغيل الدماغ، الدماغ الذي يحتاج إلى لغة ليفهم العالم. فبدون الكلمات، تبقى المشاعر مبهمة، والأفكار ضبابية“.

اللغة تلعب دورًا حيويًا في تشكيل هويتنا، وذلك عبر عدة وسائل؛ فالتواصل والتفاعل مع الآخرين، ومشاركة الأفكار والمشاعر يعزز الروابط الاجتماعية. كذلك تعكس اللغة ثقافة معينة وتاريخها، والتعابير تحمل معاني ثقافية غنية، إذ تساهم في نقل التراث من جيل إلى جيل. حيث إن استخدام لغة معينة يمكن أن يخلق شعورًا بالانتماء إلى مجموعة معينة، سواء كانت عرقية أو جغرافية أو اجتماعية. وتساهم اللغة كذلك في تشكيل الهوية الشخصية من خلال الطريقة التي نتحدث بها أو اللغة التي نختار استخدامها، التي تعبر عن ملامح شخصيتنا وقيمنا. وتساعدنا على الوعي والتفكير والتأمل في هويتنا، وبناء فهمًا أعمق لأنفسنا ولعالمنا. اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي جزء لا يتجزأ من هويتنا الثقافية والاجتماعية والفردية.

واللغة لا تعرفنا بأنفسنا فقط، بل تعيد اكتشاف العالم من حولنا. الإنسان الذي يملك كلمات كثيرة للثلج مثلًا، كما عند بعض شعوب الشمال، يرى الثلج بتفاصيل لا نراها نحن.

والعربي الذي يملك عشرات الكلمات للأسد أو الجمل، يرى الصحراء بعين مختلفة. لهذا فإن اختلاف اللغات ليس اختلاف أصوات فقط، بل اختلاف طرق حياة. كل لغة تحمل داخلها تصورًا عن الإنسان. هل هو فرد مستقل أم جزء من جماعة؟ هل الخطأ شخصي أم جماعي؟ هل الكلام مباشر أم ملتف احترامًا للآخر؟

ومن أجمل ما قيل عن جمال اللغة العربية ما قالته الألمانية زيفر هونكه: «كيف يستطيع الإنسان أن يُقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم، وسحرها الفريد؟! فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صَرْعَى سحر تلك اللغة». وقال الفرنسي وليم مرسيه متغزلاً: «العبارة العربية كالعود، إذا نقرت على أحد أوتاره رنت لديك جميع الأوتار وخفقت، ثم تحرك اللغة في أعماق النفس من وراء حدود المعنى المباشر موكبًا من العواطف والصور». وقال المستشرق الألماني كارل بروكلمان: «بلغت العربية بفضل القرآن من الاتساع مدىً لا تكاد تعرفه أيُّ لغةٍ أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعًا مؤمنون بأن العربية وحدها اللسانُ الذي أُحِلّ لهم أن يستعملوه في صلاتهم».

اللغة إذن ليست حيادية. إنها تصنع هويتنا، وتشكل أخلاقنا، وتعلمنا كيف نرى العالم وكيف نرى أنفسنا فيه. وإن من يتقن لغته، لا يتقن الكلام فقط، بل يتقن فهم ذاته ومجتمعه. ومن يتعلم لغة أخرى، لا يتعلم كلمات جديدة فقط، بل يدخل عقلًا جديدًا، وأخلاقًا جديدةً، ووعيًا جديدًا يرى العالم بطريقة مختلفة.