آخر تحديث: 19 / 3 / 2026م - 11:18 م

صديقي العزيز هون عليك

بدرية حمدان

التظاهر بالصلابة كالجبل الشامخ الذي لا تهزه الرياح العاتية ولا تحنيه العواصف.

مظهر جليدي بارد، بينما الداخل بركان ثائر على وشك الانفجار. هذا التناقض العجيب الذي يبعث على الدهشة، وراءه سر عظيم، يكمن في تكوين الشخصية التي تتصف بالحلم؛ الشخصية الصبورة التي عرفت معنى الحياة على أنها لا تحتاج إلى تحليل ولا تفسير ولا فلسفة، وإنما تحتاج أن تُعاش ببساطة.

كما هي، بفرحها وحزنها، ومن دون حمل أي عبء. حلوها جميل ومرها: «ما رأيت إلا جميلًا».

فالتفكير الزائد في الأمور لا يغير من الواقع شيئًا، بل يرهق صاحبه، ويدخله في متاعب نفسية، ويضعفه داخليًا؛ لأنه سوف يكون فريسة للأوهام.

فالراحة في عدم تحميل الأمور أكثر مما تستحق؛ فكل شيء يأخذ وقته وينتهي، سواء كان مفرحًا أو محزنًا.

حكى لصديقه معاناته مع مدير ظالم يتعمد مضايقته، ويسلبه حقه.

فأجابه: يا صديقي، هون عليك؛ دوام الحال من المحال.

فالحياة ليست للراحة، وإنما هي ممر عبور إلى عالم البقاء. مثل هذه الشخصيات ميتة قبل أن تموت، حرمت نفسها حتى من قول: «الله يرحمه».

يا صديقي: النفوس الطيبة، وإن رحلت من عالم الحياة، فهي حتمًا ستترك أثرًا لا يُنسى في نفوس أشباهها، ممن أيقنوا خسارة فقدها. قد لا يكون الأثر إرثًا ماديًا أو مكانة علمية أو أدبية تُخلد من خلالها الشخصيات المهمة في المجتمع، ممن أثروا مجتمعاتهم فكريًا، ولكن من خلال السيرة الحسنة لشخصيات رسمت في ملامح وجوههم خطوط الزمن، ولفحت ذلك الوجود شمس الحياة التي أتعبتهم. كل خط حُفر في وجوههم، وغيّر من ملامحهم، زادهم قوة وصلابة، وأخذ من عمرهم سنين، وأعطاهم عمرًا أكبر من عمرهم الحقيقي.

سنرحل يومًا، فماذا سنترك وراءنا؟

صورًا مزهرةً تظل محفورة في قلوب أحبائنا؟

أم وجعًا يظل دفينًا في نفوس من أتعبوهم وألمناهم؟

وكأنهم حفروا قبورنا في قلوبهم قبل أن تُحفر في التراب.

الأفعال القبيحة والسيئة تُسود وجوه فاعليها، وتُرد عليه عاجلًا أو آجلاً.

مدير يتقصد الإساءة للموظف من دون سبب، مستخدمًا نفوذه وقدرته على إذلال البسطاء.

أخ يحسد ويغار من أخيه.

جار يؤذي جاره؛ صور كثيرة ومتعددة من الإساءة.

لا تعرف حرمة واحترام أخ مسلم. أليس كلُّ المسلم على المسلم حرامًا؟ فخرق حرمة المسلم وأذيته تجاوز لا يجيزه الشرع.

يا صديقي:

القيمة التي أود لفت النظر إليها هي البساطة وطيب المعشر، والمعاملة الحسنة؛ فالدين معاملة، لا من منطلق الشعارات، وإنما من منطلق حرمة الإنسان وحرمة الشهر الفضيل.

وقفنا بين يدي الله في ليلة هي خير من ألف شهر، وطلبنا المغفرة وعتق رقابنا من النار؛ فماذا بعد؟

ربت على كتفيه بعد أن وجد في حديثه معه فسحة من الراحة، هدأت نفسه وسكنت روحه، وأزالت الهم عن صدره.