آخر تحديث: 19 / 3 / 2026م - 11:18 م

هل تمت رؤية الهلال أم لا؟

أنيس آل دهيم *

في كل شهر، تتكرر الحكاية ذاتها بصمت مهيب وترقب حذر، وبالذات نهاية شهر شعبان ونهاية شهر رمضان المبارك. تتجه العيون نحو الأفق، ينتظر الناس مشاهدة خيطًا رفيعًا من الضوء، وكأنهم يترقبون ولادة الزمن نفسه. الهلال ليس مجرد شكل يظهر في السماء، بل لحظة إنسانية عميقة، لحظة يلتقي فيها الإدراك بالبصر، ويختبر فيها الإنسان حدة البصر وعلاقته بالزمن.

هل تمت رؤية الهلال أم لا؟ سؤال تضج به المجالس والشاشات الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي. تختلف الآراء بين من يقول: تمت الرؤية، ومن يقول: لم تتم رؤيته، هناك من يقبل الحسابات الفلكية وهناك من يرفضها ولا يقبل سوى بالرؤية بالعين المجردة، وغير المسلحة بالمناظير. وتختلف التكهنات وتختلف المراجع كاختلاف المواقع الجغرافية.

الرؤية الشرعية للهلال لم تكن يومًا مجرد وسيلة لتحديد بداية شهر، بل كانت تجربة وجودية قائمة على الشهادة المباشرة. أن ترى بعينك يعني أن تكون حاضرًا في لحظة الميلاد ومتمسكًا بالسنة النبوية بكل تفاصيلها وحساباتها لا ناقلًا لها. هذه الفكرة منحت الزمن بعدًا إنسانيًا، وجعلت من بدايات الشهور أحداثًا تُعاش لا تُحسب فقط.

لكن مع تطور علم الفلك، لم تعد السماء غامضة كما كانت. أصبحنا نعرف متى يولد الهلال، وأين سيكون، وكم سيمكث فوق الأفق، بل ونعرف مسبقًا إن كانت رؤيته ممكنة أو مستحيلة. الحسابات الفلكية اليوم لا تخمن، بل تصف الواقع بدقة مذهلة. وهنا يتجدد السؤال القديم: هل تكفي المعرفة، أم لا بد من الرؤية؟

بوصفي مصورًا، تعلمت أن العين ليست دائمًا حكمًا مطلقًا. الضوء قد يخدعنا، والزوايا قد توهمنا، وما نراه قد لا يكون الحقيقة الكاملة. وفي المقابل، تكشف الأدوات ما تعجز عنه الحواس، وتمنحنا فهمًا يتجاوز حدود النظر. ومع ذلك، تبقى للرؤية المباشرة قيمتها الخاصة، وروحانيتها الدينية.

ومن أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا بين الناس ربط حجم الهلال بعمره. فكثيرًا ما يُقال: هذا هلال أبو يومين أو هذا واضح أنه متأخر، وكأن شكل الهلال دليل مباشر على عدد أيامه. والحقيقة أن هذا التصور غير دقيق.

حجم الهلال الظاهري لا يعكس عمره الحقيقي بشكل مباشر، بل إنه يتأثر بعدة عوامل فلكية، مثل زاوية استطالته عن الشمس، وارتفاعه عن الأفق، وصفاء الغلاف الجوي، وحتى موقع الراصد نفسه على سطح الأرض. قد يظهر الهلال رفيعًا جدًا رغم أنه تجاوز عمرًا معينًا، وقد يبدو أكثر وضوحًا في ظروف مختلفة رغم أنه أصغر عمرًا. ما نراه ليس عمر الهلال، بل كيفية انعكاس الضوء عليه من زاويتنا نحن.

الهلال في يومه الأول لا يعني بالضرورة أنه أصغر شكلًا مما بعده، ولا أن وضوحه دليل على تأخره. بل إن الرؤية تخضع لشروط معقدة، تجعل من الحكم البصري وحده أداة غير كافية لفهم الحقيقة الكاملة.

وهنا يتجلى التكامل الجميل بين العلم والرؤية. فالعلم لا يلغي المشاهدة، بل يحميها من الخطأ، ويمنحها سياقًا أعمق. كما أن الرؤية لا تعارض العلم، بل تضيف إليه بعدًا إنسانيًا، يربط المعرفة بالتجربة، والحساب بالإحساس.

اليوم، لم يعد الهلال مجرد علامة زمنية، بل أصبح رمزًا لعلاقة متوازنة بين ما نراه وما نفهمه. نصفه ضوء في السماء، ونصفه وعيٌ في داخلنا. فالبداية ليست فقط في ظهور الهلال، بل في إدراكنا له.

ويبقى السؤال قائمًا، ليس عن الهلال فقط، بل عن كل شيء من حولنا:

كيف نرى الحقيقة؟

هل نكتفي بما تلتقطه أعيننا، أم نبحث عما وراءه؟

ربما الجواب ليس في الاختيار بينهما، بل في الجمع بينهما… أن نرى، وأن نفهم، قبل أن نصدر الحكم على الرؤية من عدمها. وكل عام وأنت بألف خير.


الصورة تصوير أنيس آل دهيم