آخر تحديث: 18 / 3 / 2026م - 11:04 م

تجربة الوعي

حسن آل جميعان *

يولد الإنسان وهو مستعدّ لاستقبال المعارف والقيم وثقافة المجتمع الذي وُلِدَ ونشأ فيه، وإذا نضج أصبحت لديه قابلية أكبر للتعرّف على ثقافات المجتمعات الأخرى. وهذه القابلية لا تتوقف عن التشكّل والتطوّر، ومع الوقت تتكوّن لدى الفرد تجربته الخاصة، وهذه التجربة تشكّل وعيه ومدى تفاعله مع الواقع.

الإنسان في تجربة الوعي لا يكتفي بما وصل إليه من وعي بالذات والواقع؛ فكل وعيٍ يصل إليه هو نقطة انطلاق إلى وعيٍ لاحق، وهكذا، فالوعي لا يتوقف عن التحوّل والتطوّر. التوقف أو الجمود عند الوعي السابق هو بداية النهاية للإنسان في أن يُنشئ أو يُؤسِّس لواقع جديد، وبذلك يحكم على نفسه بالتخلّف عن ركب الحضارة الإنسانية التي لا تقبل إلا الحركة نحو الأمام.

يشير جون غرايش في كتابه العيش بالتفلسف، معلقًا على مصطلح هيغل ”الوعي الطبيعي“، إلى أنه: ”منذ أن وجد الإنسان على الأرض، له وعيٌ بالواقع المحيط به، وله وعيٌ بذاته“. أي أن الإنسان في حالة دائمة وسيرورة مستمرة، ينتقل فيها من وعيٍ إلى وعيٍ آخر، ومن فهمٍ إلى فهمٍ آخر، وبذلك يؤسس وعيه وسلوكه وإدراكه وفق كل مرحلة زمنية من عمره.

السؤال الذي يُطرح بخصوص هذه المسألة: هل تجارب الوعي تسبب قطيعة بين تجربة وأخرى، أم هي مترابطة؟

أتصور الأمرين معًا؛ فبعض تجارب الوعي قد تُحدث قطيعة مع الوعي السابق، ولا يحدث ذلك إلا بوجود صدمة معرفية كبيرة تجعل التجارب السابقة تسقط، وتهتز الأرضية التي تتكئ عليها، فتؤسس لنسقٍ معرفي مغاير عن النسق السابق. وهناك تجارب للوعي مترابطة مع بعضها البعض؛ لأنها من ذات النسق المعرفي الذي شكّل إدراك ووعي الفرد.

إذن، تجربة الوعي لدى الفرد جزء من فطرته الإنسانية، وهذا الوعي لا ينفصل عن سيرورة الحياة التي يتفاعل معها البشر في تشكّل تجاربهم ومعارفهم ونُظُم شؤونهم. يقول جون غرايش:

”لن يرضى الوعي سوى في اليوم الذي يصرخ فيه قائلًا: وأخيرًا فهمت، لا أبحث في أبعد من ذلك“.