آخر تحديث: 18 / 3 / 2026م - 11:04 م

ذكاء ناقص ”2“

عماد آل عبيدان

لم تكن الحياة مع سماح سهلة لكنها كانت حقيقية.

شيءٌ فيها كان يقاوم التكيّف. تقول كلامًا غريبًا في الوقت الخطأ وتضحك حين يُنتظر منها الحزن وتراها تبكي حين نظن أن الموقف لا يستحق. حتى طريقة حملها للحقائب كانت مختلفة: تضع الحقيبة الثقيلة على الكتف الأضعف وتقول:

”الكتف القوي سيشعر بالملل.“

في عامنا الخامس تغيّرت أشياء كثيرة. انتقلنا إلى حيّ جديد للسكن.

ابننا الأكبر بدأ يسأل أسئلة عن الموت والحياة والخيال وابنتنا الصغيرة دخلت طورها الذي يشبه فصل الخريف فمشاعرها تتساقط بلا ترتيب.

كنتُ أعمل كثيرًا. تأخذني الاجتماعات والعروض والخطط وشعور لئيم بأنني إذا لم أثبت للعالم أنني ”ذكي“ فسيفوتني شيء ما.

سماح كانت تحاول لفت نظري لذلك ولكن بطريقتها الخاصة فما كانت تعاتب وما كانت تلوم أو تتأفف. في ليلة من الليالي عدتُ متعبًا جدًا فوجدت ورقة على الوسادة:

”لو كنتَ كتابًا لقرأتك. لكنك الآن نشرة أخبار وكلما قرأتك أصابني الأرق.“

ضحكت وانزعجت وأحببتها أكثر.

ثم بدأت القصة تقلب وجوهها.

ظهر في حياتها شخص قديم من المدرسة. لم يكن حبًا سابقًا إنما صديقة طفولة تدعى ”ربى“ وهي ذكية جدًا ومتخصصة في علم النفس ولديها صفحات تحفيزية على الإنترنت وتكتب مقالات تنشر في مجلات كبرى. كانت ذات حضور واسع وأنا كنت أكرهها في سرّي.

ربى كانت ترى أن سماح ”تضيع إمكانياتها“. وأنها تستحق أن تكون أكثر. سماح كانت تبتسم وتقول:

”أنا مكتفية.“

لكنني كنت ألاحظ شرارة صغيرة في عينيها وكأنّها تسأل نفسها ”حقًا؟“

في يوم من الأيام قالت لي:

”ثائر هل تعتقد أنني غبية حقًا؟“

سؤالها نزل على قلبي مثل ماء بارد في شتاء قاسي.

أجبت:

”لا لكن أراك فريدة.“

قالت بهدوء:

”لكن الجميع يضحك عندما أتكلم.“

فقلتُ:

”لأنهم لا يفهمون الفن حين يتكلم بلغة لا تشبههم فهذا خارج مألوفهم.“

قالت:

”أحيانًا… لا أفهم حتى نفسي أنا أيضًا.“

بدأتُ أشعر أنها تبتعد. ليست الخيانة ولكنه شيء أكثر خطورة فهو التغيير الهادئ الذي لا تشعر به في حينه.

رأيتها تقرأ كتبًا لأول مرة وتدوّن ملاحظات وتتابع مقاطع تحليلية وتشترك في دورة ”تحسين الذكاء العاطفي للمرأة“. لم أمنعها. كنت سعيدًا بذلك. لكن قلبي… كان يتهيب من مجريات الأمور.

هل سأخسر ”سماح التي أحببتها“؟ وهل كنت أحبها لأنها ”غبية“ أم لأنني كنت أحتاج لأكون أنا الذكي؟

مرّت الشهور وسماح الجديدة كانت أكثر ترتيبًا وأقل فوضى فهي لا تنسى الأسماء ولا تسأل أسئلة غريبة فحتى ضحكتها تغيّرت وصارت أكثر تهذيبًا وهدوءًا.

لكن شيئًا واحدًا كان ينقصها وهو الفرح الذي غاب عن طبيعتها.

ذات يوم قلت لها:

”لم تعودي تضحكين من النكات السخيفة.“

قالت:

”ربى قالت إن الضحك بلا سبب قلة ذكاء.“

قلت:

”أظنني أحببتك يومًا لأنك كنت تضحكين بلا سبب.“

عادت ربى إلى مدينتها وتركت فراغًا فينا. كنت أراقب سماح تقرأ وتكتب وتفكر وتقيّم. لم تعد تضع السكر في الطعام كما تحب. تغيرت فكانت تضعه كما تنصح به التغذية العلاجية.

كل شيء فيها صار ”أفضل“ … إلا شيء واحد وهو أنها لم تعد هي.

وذات مساء. بعد عشاء هادئ. قالت لي:

”أنا أشتاق لنفسي القديمة… اشتاق لسماح“ الغبية ”! هل تشتاقها؟“

قلت دون تفكير:

”أنا ما زلت أحبكِ حتى لو كنت موسوعة ولكنّ قلبي اشتاق للغبية التي كانت تحرق الطعام.“

قالت وهي تبتسم بحرارة موجعة:

”الغبية عادت… نسيت الطنجرة على النار.“

ضحكنا ثم بكت. وأنا أيضًا بكيت لأننا فهمنا أن كل تغيير ليس تطوّرًا وأن الذكاء لا يعني السعادة دائمًا لا لأننا فقدناها.

اليوم ونحن في عامنا العاشر سماح تكتب كتابًا بعنوان: ”وقت كنت غبية… وكنت سعيدة“

وأنا كتبت مقالًا بعنوان: ”ذكاء ناقص… لكنه كافٍ للحياة“

نخرج كثيرًا. ونضحك أكثر ولا نجهد أنفسنا بفهم الحياة… نعيشها فقط.