آخر تحديث: 16 / 3 / 2026م - 10:11 م

رحل كلالة الرجل الصابر

عبد الجبار سلاط

مساء يوم السبت 23 رمضان 1447 هـ، ذهبت إلى مجلس الدهان في حي الرضا للاستماع للخطيب الحسيني الصاعد فضيلة الشيخ محمد المسلم ”حفظه الله“، وبعد القراءة توجهت إلى الحاج سعيد كلالة أبو عبد الشهيد الذي كان جالسًا عند باب الخروج، فسلمت عليه وقبلت رأسه، فقال لي: أخجلتني يا أبا مصطفى! فقلت له: أنت بمثابة الأخ الأكبر، ومقامك عندنا كبير، فشكرني بابتسامته المعهودة.

فجر اليوم التالي انتقل أبو عبد الشهيد كلالة إلى جوار ربه، بعد عمر قضاه في العبادة والحياة الطيبة، فرحمك الله أيها الرجل الطيب الصابر.

تعرفت على هذه العائلة الكريمة عندما كنت أدرس في الصف السادس الابتدائي مع مجموعة من الطلبة منهم المرحوم عبد الله الراهب، وسعيد أصبيرة، وعبد المقصود التاروتي، ومحمد علي كلالة، وهو الذي كانت تربطني به علاقة طيبة، فكنت أزوره في بيتهم في الشويكة، وهناك تعرفت على إخوته «سعيد، وعبد العزيز، وجواد»، فكان محمد علي أبو جمال نعم الزميل والأخ المحب، ولا تزال العلاقة به طيبة.

ثم شاءت الأقدار أن نعمل في عطل المدارس «حوالي ثلاثة أشهر» في البناء مع الحاج سعيد كلالة، وكنا نعمل تحت إمرة الأستاذ البناي الحاج إبراهيم الفضل «الله يشفيه»، فكان الحاج كلالة يهتم بي وبزملائي الطلاب العاملين معه، فكان لا يثقل علينا في العمل مراعاة لصغر سننا، فكان لنا كالأخ الحنون العطوف. ومعلوم أن المرحوم كان طويل القامة، قوي البنية، وقد عمل في مقلع الحصى في البحر وتشييد جسر تاروت في بداية ربط مدينة القطيف بجزيرة تاروت.

بين فترة وأخرى أحاول زيارة الحاج عبد العزيز كلالة أبو حسين في منزله بحي الفتح «المحدود»، ونجلس نتحدث معه في أحاديث ودية ونتذكر الأيام الماضية حينما كنا معًا في حملة المرهون لأداء حج عام 1398 هـ، وكنا معًا في سكن واحد وعزبة واحدة، ومن الذين كانوا معنا: المعلم الشيخ أحمد البحراني، والحاج منصور العسيف أبو رضي، وسعيد سكير، والحاج عبد الله الضوء وابنه أبو حسين، وكنا مع زوجاتنا، فكانت رحلة إيمانية رائعة. كما أننا لا ننسى عبد العزيز كلالة عندما كنا نصلي جماعة في مسجد العلامة الشيخ علي المرهون ”قدس الله تربته“ في التسعينات «1390 هـ»، فكان يحجز لنا مكانًا ويحضر معه الرطب أو التمر. ولأبي حسين أيضًا مشاركات في المجتمع من خلال المأتم المقام في مسجد الخضر بالشويكة، وكذلك قراءته للأدعية ورفع الأذان بصوته المعروف. نسأل الله له الشفاء والعافية.

أما المرحوم جواد كلالة فهو جاري، وهو شخصية اجتماعية معروفة، وكان أحد الإداريين في حملة الزهراء لصاحبها المرحوم أبو نادر خليتيت، والمرحوم أبو علي يخدم الحجاج تطوعًا وبنفس طيبة وابتسامة لا تفارق محياه، رحمه الله تعالى.

كان المتوفى أبو عبد الشهيد كلالة يسكن أيضًا معنا في حي الرضا، وقد كان يعمل قبل تقاعده في البنك السعودي البريطاني فرع الربيعية مع الحاج المرحوم أبو علي أصبيرة.

كان رحمه الله مواظبًا على صلاة الجماعة وحريصًا عليها، وكان يؤذن للصلاة وقبل الإقامة أيضًا، وأتذكر حينما كنا نذهب لصلاة الفجر أنا والمرحوم كلالة والمرحوم عبد العزيز الدهان في سيارته إلى منزل سماحة العلامة عبد الرسول البيابي في حي الفتح ونأخذه معنا إلى مسجد صغير في تاروت قربَ منازل عائلة البيابي، فنصلي الصلاة جماعة ثم يرجعنا الدهان إلى منازلنا، ويذهب مباشرة لسكن عماله في «المحدود» للإشراف على توزيع عمال المقاولات اليومي.

كما كان المرحوم كلالة مواظبًا على حضور مجالس أهل البيت في حي الرضا وغيره كل ليلة وكل مناسبة، لا يكل ولا يتعب مع كبر سنه وحالته الصحية، فهو رجل محب موالٍ حقًّا.

مع علاقتي وقربي من المرحوم لم أجده يومًا يستغيب أحدًا، أو يظهر العداء لأحد قط، قليل الكلام إلا فيما يفيد وبدون إطالة، لهذا تجده شخصًا محبوبًا مقدرًا ومحترمًا لدى الجميع.

الرجل الصابر المحتسب:

قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155-157]

فقد زوجته أم عبد الشهيد التي كانت له عونًا على شظف الحياة فصبر، بعدها فقد ابنته الشابة أم السيد مصطفى فصبر، ثم يفقد ابنته الشابة الأخرى أم أحمد فصبر، وبعد فترة يفقد ابنه الشاب صادق فصبر. يقول الشاعر:

رحلوا وما رحلوا أهيل ودادي
إلا بحسن تصبري وفؤادي

ساروا ولكن خلفوني بعدهم
حزنًا أصوب الدمع صوب عهاد

ترى أبا عبد الشهيد صابرًا صبورًا يسكب الدمع على أبنائه بحرقة وألم يعتصر فؤاده، وكأن القدر يخاطبه ويقول: يا أبا عبد الشهيد، لننظر هل تصبر أيضًا لو أخذنا منك ابنك الأكبر المؤمن الصالح عبد الشهيد؟ ثم خُتم البلاء بفقد ابنه الأكبر عبد الشهيد، فتجده راضيًا بقضاء الله وقدره ومسلمًا الأمر له، ويكثر من قول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .

الحاج سعيد رجل مؤمن صالح صابر يحب الخير للجميع ويتواصل معهم، فرحمك الله وأسكنك فسيح جناته وحشرك مع أوليائك الطاهرين. الفاتحة